vendredi 19 août 2011

نحو بناء حضارة إسلامية جديدة نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه +مشروع بناء حضارة بديلة


القسم الثاني من كتاب : نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه +مشروع بناء حضارة بديلة
نحو بناء حضارة إسلامية جديدة
الإسلام و تحديات الألفية الثالثة!؟
في أواخر القرن التّاسع عشر الميلادي كانت حركات الإستعمار الكبرى للعالم الإسلامي تركز قواعدها في الهند ومصر والجزائر وتونس والسودان... كحلقة أخيرة من حلقات تطويق العالم الإسلامي والإنقضاض على ثرواته و أراضيه و كل خيراته.. ونهبها..! وكان قد مهد لإستعمار بلاد الإسلام بغزو حضاري / ثقافي نشيط، ابتدأه وألهب شرارته الأولى في ديار الإسلام ما يسمون عندنا « بزعماء الإصلاح العرب »!؟ وهكذا تراجعت الرّابطة الإسلامية كشكل من أشكال البناء السّياسي القائم .. أمام ضربات الإستعمار الموجعة .. وقد توّج ذلك بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1924م على يد كمال أتاتورك..
لقد تمزقت الرابطة الإسلامية - التي وحدت المسلمين سياسيا و جغرافيا لقرون عديدة- خلال القرن العشرين وتنازعت الدّول الكبرى ميراث الإسلام وثرواته و أراضيه ... وسيطرت على أضخم قواعده وقدراته .. واندفعت الحركة الصّهيونية العالميّة بدعم مباشر من الإستعمار الغربي ..!! تسيطر على فلسطين وتجعل من احتلال بريطانيا للقدس مقدمة لسيطرتها عليها بعد خمسين عاما...!!

ولقد قاوم "ورثة الإسلام" في معارك حاسمة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي في أفغانستان والقرم ومصر وسورية والجزائر والعراق وباكستان .. وحققوا بعض الإنتصارات.. وتحرّرت ديار الإسلام من نفوذ الاستعمار العسكري الغربي المباشر وانبعثت من قلبه « حركة تحرّرية/ تنويرية » بعد طول سبات.
غير أن حركة التـّنوير والتـّحرر الفكري / الحضاري لم تلبث أن واجهت عقبات كأداء في العقود الأخيرة من القرن الماضي وبداية هذا القرن الجديد، فقد تحالف الإستعمار الغربي و الإستكبار العالمي والصّهيونية و أزلامهم.. من أجل ضرب حركة التـّنوير والتـّحرّر الإسلامية ودفعها دفعا للانحراف عن ثوابتها الإسلامية و بصائرها القرآنيّة الأزلية المنزلة على محمد صلى الله عليه و سلم.. لتحرير البشرية من عبادة العباد لعبادة رب العباد و فك أسرها من الظلم و الطواغيت و الأغلال المختلفة...!؟.. ومن ثم فانّ أخطر التحدّيات التي تواجه "ورثة الأنبياء " - عليهم السلام - في السّنوات الأخيرة تتمثل أساسا في الحفاظ و الإستمساك الواعي بالهوية الإسلاميّة/الثوابت القرآنية وحماية الهوية الثقافية/الحضارية للشعوب الإسلامية، وتطوير هياكلها وتحرير الفكر الإسلامي من الجمود و التقليد والعمى الفكري/الحضاري..! ومن الأخطار الفكرية الشاذة والمفاهيم الثقافية المغلوطة و المنحرفة عن هداية الله و بصائره الأزلية و قوانينه الأبدية في الأسرة و المجتمع و الحياة عامة.. ورعاية شؤون المسلمين في العصر الحديث طبقا للثوابت الإسلامية .. داخل ارض الإسلام و خارجها .. و تحصين"ورثة القرآن " ضد المخاطر الثقافية والحضارية التي تلقى إليهم عن طريق وسائل الإعلام والاتصال المختلفة.. وعبر التبشير.. والإستشراق المنحاز لضلالات رجال الدين اليهودي و المسيحي .. و ضد الشعوبية المتطرفة.. والقوميات المتعصبة.. وهي آليات و مفاهيم منحرفة تلتقي جميعا على هدف : إذابة الهوية الحضارية و التشكيك في الثوابت الإلاهية لأمتنا الإسلامية.. بدعوى "الحداثة" و"العولمة" و"العلمانية" و" اللائكية " و الإجتهاد و مواكبة العصر..! و غيرها من بدع جاهلية الإنسان الغربي الحديث و حيوانيته و تخلف الإنسان العربي / المسلم و تبعيته و انهزامه و انبتاته عن ثوابته القيمية بفعل الانهزام الحضاري الذي يعيشه منذ أمد بعيد!!؟... وهي دعاوي وإن اختلفت مسمياتها وتنوعت مصادرها و اختلفت.. إلا أنّها تتّـفق على أن يترك المسلمون ثوابت دينهم الإسلامي ومفاهيم قرآنهم وقوانينه الأزلية المطابقة لحقائق الكون والحياة والإنسان و فطرته التي فطره الله عليها منذ خلقه للكون .. واستبدالها بفلسفات مريضة وتيّارات جانحة منحرفة من الفكر والثقافة والإعتقاد ونظرة خاطئة لحقيقة الألوهية والقدر و تأويل خاطئ للنصوص المقدسة ﴿ التوراة والإنجيل والقرآن ﴾ حتى يسهل للغرب الاستعماري و الاستكبار العالمي وأزلامهما من الأقوام التبع و ورثته من بني جلدتنا بعد ذلك السّيطرة على شعوبنا الإسلامية و استغلالها و إذلالها فكريا و حضاريا و سياسيا .. ونهب ثرواتنا .. واستغلال شعوبنا وإذلالها لسيادة الغرب الموهومة و ربوبيته المزعومة للعالم وإخضاعها لأطروحاته المعادية لكل مصالحنا و كل مصالح الشعوب المستضعفة..!!؟ هذا هو التحدي الكبير الذي يواجهه المسلمون/ "ورثة القرآن" في بداية هذا القرن 21 !؟ .. فالقضاء على أصالة هذه الأمة وكيانها الفكري والروحي و الحضاري .. هو مقدمة الغرب ألاستكباري/ الإستعماري لتحقيق مآربه ومآرب الصهيونية اللقيطة في الإستيلاء على ما تبقى من أرض الإسلام وخيرات أراضيه الممتدة شرقا وغربا !!؟
إنّ كلّ هؤلاء "الأعداء" لا يخفون عداءهم لحملة الرّاية الإسلامية الذين اختاروا طريق الأنبياء والصّالحين للسير على منهجهم و الإنتصار للحق وإعلاء كلمة الله والتّمكين لشريعته الأزلية في الأرض.. من ثم: تحقيق الأمن و الإستقرار لكافة الشعوب.. و تحقيق وحدة المسلمين و عزتهم تحت راية القرآن و كلماته الأزلية المعجزة لأنها كلمات الله العزيز الخبير.. وهذا العداء للإسلام و أهله تتفق عليه مختلف مؤسسات هؤلاء الأعداء : الثقافية والسّياسيّة والعسكريّة و غيرها...
وخلاصة ما يسعى إليه الغرب الإستعماري/ ألإستكباري بمعية الصّهيونية العالميّــة اللقيطة و أزلامهما من بني جلدتنا .. هو التدجين ومن ثم الإحتواء و الهيمنة..! ولعل أبرز التّحديات التي واجهت الشعوب الإسلامية لتدجينهم و من ثم احتوائهم والهيمنة عليهم عن طريق العملاء و التبع تتمثل في تحريف مفاهيم الإسلام وتشويهها أو تأويلها وإخراجها عن طابعها المتكامل الجامع بين الدنيا والآخرة : متّهمين شريعته بأنها سبب تخلف المسلمين و تقهقرهم الحضاري..!؟ و قد نادوا جميعا -أعداء الإسلام - باستبعاد مبادئه الأزلية الحقة وعزلها عن الحياة..!!؟؟ ودعوا إلى "اللائكية" و"العلمانية" بديلا عنه!؟ كما استغلوا جهل العامة والخاصة في ديارنا و غفلتهم عن أهمية الشريعة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية في الحفاظ على مكتسبات الأمة المسلمة وحماية النفس البشرية والكيان الاجتماعي من السقوط والإنهيار..! ونادوا بالتحلل منها واستبدالها بقوانين الغرب وشريعته - والتي حولت العالم كما حولت مجتمعاته الغربية نفسها .. إلى غابة وحوش ضارية يأكل القوي فيه الضعيف كما هو مشاهد اليوم!؟- رغم عدم انسجام هذه القوانين و التشريعات الوضعية مع خصوصيتنا الحضارية وقيمنا الثقافية ومفاهيمنا الإسلامية و قناعات شعوبنا الإسلامية ومعاييرها الإلاهية ..!؟
ثم امتدت دعوة التغريب و الإنبتات .. فزيفت المفاهيم وحرفت الكلم عن مواضعه وشوهت المبادئ التي أقامت الحضارة الإسلامية وأوصلتها إلى أقاصي الأرض واستمد منها المسلمون القوة على الصمود والقدرة على الفعل وبناء القوة والعزة والحضارة ووراثة الأرض وامتلاك ناصية الأمم و الشعوب لردح طويل من الزمن.. وأهلتهم لان يكونوا﴿خير امة أخرجت للناس﴾..!
ويمكن حوصلة الهجمة الغربية – الصهيونية و أتباعهما على الإسلام في النقاط التالية:
* محاربة الإسلام عن طريق نخبه المتغربة/المنبتة عن هوية امتنا الإسلامية.. بنظريات زائفة كالتي تزعم "أن الدين ليس سوى الانعكاس الواهم في دماغ البشر للقوى الطبيعية التي تسيطر على وجودهم اليومي": (نظرية كارل ماركس/ ماركس محق إذا كان يقصد الدين اليهودي و الدين المسيحي المحرف و ليس دين التوحيد لموسى و عيسى و محمد عليهم السلام المفصل في التوراة و الإنجيل و القرآن)المنزل من لدن عزيز حكيم..!
كما شكلت مصنفات ما يسمون "بفلاسفة الأنوار" في القرن الثامن عشر ميلادي أرضية خصبة لمحاربة الدين عامة والفكر الإسلامي خاصة، من بعد ما تبنته نخبة هامة من " "زعماء الإصلاح" في البلاد الإسلامية !!!؟- كما سبق و بينا خلال دراستنا لفكر عبد الرحمان الكواكبي - ، ولم يع هؤلاء –الزعماء- أنهم كانوا يحفرون مقابرهم و مقابر حضارتهم الإسلامية بأيديهم!؟.
* محاربة القيم والمبادئ والثوابت الإسلامية و اليهودية و المسيحية المشتركة وكل القيم الإنسانية النبيلة التي تنسجم مع فطرة الإنسان السوي، بدعوى أنها قيم نسبية ومتغيرة، ومرتبطة بالبيئات والعصور وتختلف باختلاف الحضارات!!؟ (التطبيقات البشرية للقيم الإلهية هي عملية نسبية لكن القيم و المعايير الالاهية مطلقة و أزلية و صالحة لكل زمان و مكان ).
* الدعوة إلى هدم الأسرة باعتبارها من مخلفات المجتمعات الإقطاعية وعصور الانحطاط !!؟ والتشجيع على العلاقات المنحرفة و الشاذة كاللواط والسحاق-العلاقات المثلية- والإجهاض ... كحل للمشكلات الأسرية و الإجتماعية وهي دعوة شيطانية لتغيير خلق الله و فطرته التي فطر الناس عليها.. و بسبب ذلك تحولت حياة الناس شرقا و غربا إلى جحيم لا يطاق و فقد الرجل و المرأة دورهما الطبيعي المحدد لهما في الحياة.. فاستشرت الأمراض المزمنة نتيجة لذلك وانتشرت السيدا .. و العجز الجنسي و الأمراض العصبية والذهانية و غيرها انتشارا مرعبا بين الناس كما نلاحظ اليوم...!!؟
* الدعوة إلى قيام العلاقات البشرية على أساس المصالح المادية والعرقية والإثنية وإثارة العصبيات الطائفية والعرقية كما يروج الأمريكان و أزلامهم في العراق منذ احتلاله عام 2003..!!؟ ﴿هذه الدعوة تتناقض حتى مع دعوتهم للديمقراطية و دولة القانون .. لان القانون لا يفرق بين الناس عند تطبيقه ... إنهم عميان البصيرة .. هؤلاء المستكبرون المجرمون !!؟).
*إيجاد الأحزاب السياسية التي تتبنى مفاهيم الغرب و معاييره في ديارنا و رعايتها ماديا و لوجستيا..!!
* محاربة اللغة العربية الفصحى، لغة الإسلام الأولى ولغة القرآن الكريم/ الكتاب الذي تحدى الجن و الإنس على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.. لإدراكهم الإرتباط الوثيق بين اللغة العربية والدين الإسلامي ومجد ووحدة المسلمين، وقد عملوا جاهدين على ترويج الدعاوى التي تتهم اللغة العربية الفصحى بالعقم والبداوة والقوا عليها مسؤولية التخلف الحضاري للمسلمين ورفعوا شعار « من أراد التقدم والرقي فلا يتكلم اللغة العربية »! زاعمين بعدم استجابة اللغة العربية الفصحى للحضارة الحديثة وأنها لا تستوعبها وهي عسيرة على من يتعلمها ؟!
* اعتماد مناهج تربوية من قبل حكومات عربية و إسلامية بعيدة كل البعد عن المنهج الإسلامي في تربية الإنسان المسلم المثبت من الله بالقول الثابت و القوانين الأزلية و التنويرية في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والمستضيء بنور الله و بصائره التي لا تخبو أبدا﴿ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ﴾.
* خلق مفهوم صراع الأجيال حتى يسهل بعد ذلك دفع الشباب إلى الإنهيار والتمزق في ظل فراغ نفسي وفكري وثقافي وعطش روحي و دفعه للإنحراف و الشذوذ و تقديس الجنس و المخدرات و الإعتقاد في عبثية الحياة..!!؟
وقد تخفى هؤلاء المستكبرون عميان البصيرة !!؟.. وراء مذاهب ونظريات منحرفة مغرضة اثبت العلماء المحايدون جهالتها و تفاهتها و تضاربها مع حقائق الوجود وعدم ارتكازها على حقائق علمية ثابتة وانبناؤها على الظن والتخمين .. وليس لها أية صلة بالواقع و حقائق العلم و المعرفة، بل وقدرة هذه النظريات الفائقة على تخريب عقول الناشئة وصنع "الرجال الجوف " حسب تعبير احد شعرائهم!!؟
كل هذه الوقائع قد ساهمت بدورها في تبعية مجتمعاتنا الإسلامية و تأبيد تخلفها حتى بدا للعيان أن شفاءها قد صار متعذرا..؟!
إن مجابهة كل هذه التحديات الخطيرة وغيرها على مستقبل امتنا: تبدأ بتجديد الثقافة الإسلامية الصحيحة المبنية على الثوابت الإلهية الحقة... مستمسكين بثوابتنا القيمية والحضارية ومفاهيمنا الإسلامية المبثوثة في ثنايا الذكر الحكيم الذي اتخذه المسلمون "مهجورا".. انطلاقا من إدراكنا ووعينا بنسبية الحضارة البشرية و نسبية فهم الأجداد و الآباء للثوابت القرآنية و المعايير الإسلامية كل حسب أزمنتهم و أمكنتهم و أطرهم التاريخية و الحضارية، إذ لا يعقل بداهة أن نجابه مفاهيم الزيف الحداثي والعولمة وكل منجزات الحضارة المعاصرة و ما بلغته من تقنيات غاية في التطورو التقدم ... بمفاهيم عصور الإنحطاط البالية في تاريخنا الإسلامي أو بمفاهيم حضارتنا الإسلامية القديمة..أو بمفاهيم الغزالي وابن تيمية وابن رشد و غيرهم ...!؟ و الذين عاشوا في زمن غير زمننا و في واقع حضاري و اجتماعي معيش غير واقعنا في العصر الحديث .. ودون أن نطور مفاهيمنا – مرتكزين على بصائرنا القرآنية ومعطياتنا الحضارية الراهنة – ونصحح ما تآكل منها بمفعول الزمن و تقدم الحضارة البشرية .. ونجعلها تأخذ بالألباب كما أخذت بألباب رجال الجاهلية الأولى.. لارتكازها على الحق والنور الإلهي و ثوابته الأزلية و قوانينه السرمدية التي كلفنا – نحن امة الإسلام وورثة الأنبياء - بالإستمساك بها و تبشير العالم برحمتها... حتى نكون شهداء على الناس كافة و نقود مسيرتهم و مسيرة شعوبنا الإسلامية نحو الخير و الرحمة و الجمال.. في الحياة الدنيا و في الآخرة... فنغنم و يغنموا.. و نسعد و يسعدوا.. بعدما أرهقتهم و أرهقتنا القوانين الوضعية الظالمة !!!

نحو بناء حضارة إسلامية جديدة!؟
« زمن الانحطاط العربي » مقولة مختصرة لكنها معبرة، تعبر عن المرارة التي أضحى يشعر بها المفكر في البلاد الإسلامية وهو يرى أن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية و غيرها... تزداد سوءا وانتكاسا على مر الأيام...!!
يحدث كل هذا بعد أن شهدت البلاد العربية والإسلامية جمعا من المصلحين والمفكرين الذين تخصصوا في شتى المجالات الحياتية(1).
إن هذا الوضع الذي آلت إليه حالنا يحتم علينا أن نطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب الكامنة وراء فشل البرامج الإصلاحية التي أخذت تظهر في البلاد الإسلامية منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي! ؟

I. أسباب الفشل:

إن المتتبع لمؤلفات "زعماء الإصلاح" في بلادنا الإسلامية يلاحظ أن الإنبهار بما حققته الحضارة الغربية كان عظيما في نفوسهم والإنشداد إلى النمط الغربي في الحياة واضحـا وجلـيا(2) وهذا الإنبهار بمنجزات الغرب و حضارته و ثقافته.. جعلهم يتخذونه قدوة ومثالا، فكان النمط الغربي النهضوي حاضرا لدى جل هؤلاء الرواد(3) لذلك جاءت برامجهم الإصلاحية وتنظيراتهم تنقصها الدراسة العلمية المتأنية التي تراعى فيها الملابسات والظروف التي أدت بأمتهم الإسلامية إلى حالة من التخلف الحضاري و الإنحطاط الاجتماعي و الإستبداد السياسي...!
ولا عجب بعد ذلك أن نجد منهم من كان يدعو إلى « أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب» !؟ (4).
إن الصفة المشتركة التي جمعت "زعماء الإصلاح"هي:« افتقاد الشعور بالعزة بهويتهم الحضارية الإسلامية، والإنبهار الكلي بالغرب»! وهذا الإنبهار قد أعشى أبصارهم أن ترى الدّرب القويم والنهج السليم لنهضة أمتهم الإسلامية وبناء حضارة إسلامية جديدة ومتطورة تليق بخير امة أخرجت للناس والتي قد كلفها ربها بأن تكون شاهدة على الناس وقائدة لهم إن هي استمسكت بالنور الذي انزله الله عليها – القرآن- والتاريخ:« يعلمنا انه ما من مدنية تستطيع أن تزدهر أو تظل على قيد الحياة إذا هي خسرت إعجابها بنفسها وصلتها بماضيها»(5).

II. نظرة تاريخية:
1- الإسلام:
أ- الإسلام ومرحلة بث الفكرة الجديدة و المفاهيم المبهرة:
جاء الإسلام معلنا منذ بداية نزول الوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن بداية ظهور نظرة مغايرة لما هو سائد بين البشر ومفاهيم جديدة للكون والإنسان والحياة، تختلف جذريا عما تعلمه الإنسان من مصادر بشرية ومعلنا بوضوح مخالفته لسائر التصورات البشرية: ثقافتها ومعتقداتها أخلاقها ومعاملاتها، نظمها وتشريعاتها:﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ (سورة العلق الآيات 3 و4 و5).. ليبرز بعد عملية الهدم للمنظومة القيمية العربية و العالمية ... شخصيته المستقلة بكل أبعادها العقائدية والتشريعية ومختلف تصوراتها وطموحاتها على أنقاض الجاهلية: (كلّ مفاهيم الإنسان عن الكون والإنسان والحياة التي تخالف المفاهيم الإلاهية) والتي أعلن الحرب عليها منذ الوهلة الأولى: ﴿ كلاّ لا تطعه واسجد واقترب﴾ (سورة العلق وهي أول ما نزل من القرآن الكريم . الآية 19)... إن مراجعة بسيطة للنهج الذي اتبعه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأنصاره من المؤمنين في إحداث التغييرات الحضارية التي هزت جزيرة العرب يلاحظ ما يلي:
- بداية نزول الوحي على الرّسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء وقد حمله ربه مسؤولية تبليغ الوحي و الإستمساك به .. وإيصال ما ينزل إليه من قيم ومبادئ ومفاهيم جديدة عن الكون والإنسان والحياة والمجتمع .. إلى الناس كافة بدءا بالعشيرة الأقربين.
- الجهر بالدعوة الإسلامية وتحمل الأذى والصبر على تعنت الكفار وإجرامهم في حقه وحق أنصاره.
- نزول ما سمي (بالقرآن المكي ويعد 86 سورة ) وهو في جملته آيات قصيرة تعالج قضايا التوحيد و الربوبية و الإيمان بالله و تذكر بقوانينه الأزلية في الحياة و لزوم إتباعها و السير على هداها لتحقيق الفلاح.. وتحارب الشرك بالله بمختلف تشكلاته..و تتحدى الجميع ( الإنس و الجن) أن يأتوا بسورة واحدة من مثله إن استطاعوا !!؟.. وتشير إلى مواطن الفساد في الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية و غيرها... وترد على بعض شبهات أهل الكتاب ومزاعم أهل مكة وتندد بتصرفات زعاماتهم المنحرفة وتصحح مفاهيم البشر عن الألوهية الحقة والربوبية الصحيحة والتي لا تجوز إلاّ لخالق الكون والإنسان والحياة .. العليم الخبير الذي يعلم غيب السّماوات والأرض علما مطلقا و شاملا .. على عكس علم البشر النسبي المحدود زمانا و مكانا... فالقرآن المكّي كان يدعو إلـى – فكرة جديدة ومفاهيم مغايرة لمفاهيم البشرلتحل محل الفكر والمفاهيم والمعتقدات الجاهلية في ذهن المتقبل حتى تؤثر في فكره ووجدانه و روحه تمهيدا للانتقال به إلى مرحلة أخرى قادمة...
- كان الرّسول صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه الذين آمنوا بدعوته للصّبر على الأذى والتنكيل الذي كانوا يتعرضون له على يد كفار قريش .. وعدم الرد على الأذى و التنكيل والاضطهاد الذي كان يسلط عليهم..- بالعنف المادي أو المعنوي– رغم ما أبداه بعض الصحابة من استعداد للقيام بذلك...! ولما اشتد الإضطهاد على بعض الصحابة نصحهم عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى الحبشة .. لان بها ملكا لا يظلم الناس عنده أبدا!.. وقد استمر الرسول وأصحابه في الإستمساك بالمفاهيم الإلاهية الجديدة والإلتزام بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة الكفار والمشركين وكل المناوئين "بالتي هي أحسن"... ولم يسجل لنا القرآن أو المؤرخون أن أحدا من الصحابة قد كون عصابة للرد على اضطهاد قريش أو العمل على تحرير البيت الحرام من أيدي كفار مكة ومشركيها..! بل كان سلاح المؤمنين الوحيد: الدعوة إلى الإسلام الحق والجهاد بآيات القرآن الكريم والتي تحمل المفاهيم الجديدة وإبلاغها إلى مسامع المشركين والصبر على آذاهم امتثالا لأوامر الله في القرآن المكي..و الإستمساك بها قولا و عملا.. و عدم الركون إلى الكفار و المشركين أو مهادنتهم ..!
- ثم جاءت حادثة الإسراء بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لتتوج المرحلة المكية *مرحلة الفكرة والمفاهيم الجديدة و المبهرة*، وأهم ما يمكن استخلاصه من حادثة الإسراء هو التالي: بداية تلقي المسلمين لبعض العبادات كالصلاة وهي عبادات تستوجب توفر حد أدنى من الأمن للقيام بها وهو ما يعني حدوث نقلة نوعية كبيرة، لان المرحلة المكية التي سبقت حادثة الإسراء تميزت بتركيز القرآن الكريم على المعتقدات الإسلامية والمبادئ الذهنية والمفاهيم الجديدة عن الكون والإنسان والحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والقيم الأخلاقية ومحاربة التمظهرات المتنوعة للكفر والشرك والتشهير بانحرافات زعامات قريش العقائدية والإقتصادية والاجتماعية وغيرها.. وهذا يعني أن حادثة الإسراء كانت بمثابة التمهيد للإعلان عن انتقال المسلمين من مرحلة «الفكرة» إلى مرحلة « الدولة».
ب- الإسلام ومرحلة بناء الدولة:
بعد حادثة الإسراء أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وقد مهّد عليه الصلاة والسلام لهجرته وهجرة أصحابه و أنصاره عندما التقى ب"الأنصار" – الأوس والخزرج- وأخذ منهم عهدا بحمايته وحماية أصحابه ونصرة الدين الذي بعثه الله به إلى الناس كافة..! وكان قد سبقه بعض صحابته إلى المدينة لتوضيح الغامض من دعوته..!
- في المدينة أصبح للمسلمين أرض آمنة وقد امن جل أهلها بالرسالة الإسلامية وثروات متعدّدة وقوّة مادية استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بما اوتيه من حكمة إلاهية وبصيرة قرآنية (حيث بدأ نزول القرآن المدني:المنظم لمختلف جوانب الحياة البشرية و المدنية) من أن ينشئ منهم مجتمعا مسلما يعتنق العقيدة الإسلامية ويحتكم إلى الشريعة الإسلامية في علاقات أفراده بعضهم ببعض وتنتظم علاقاته وفق التصور الإسلامي والمفاهيم الإسلامية في الأسرة والمجتمع وعلاقاته الداخلية والخارجية...!
- ولم يمر زمن طويل حتى إذن للذين أوذوا في سبيل الله و قوتلوا لأنهم قالوا: "ربنا الله "!! بالقتال واستعمال القوة و السلاح لاسترجاع حقوقهم المنتهبة من الكفار والمشركين وصد عدوانهم ومكرهم بالمستضعفين...
- في مرحلة تالية بدأ المسلمون- بقيادة رسولهم عليه الصلاة والسلام- يفكرون في نشر الدعوة الإسلامية خارج حدود دولتهم الفتية، وبدا الرسول \ القائد السياسي والعسكري في بعث السرايا والجيوش إلى مختلف الأصقاع لفتحها ونشر الإسلام فيها حتى تعم رحمة الإسلام.."الناس كافة".... استجابة لنداء ﴿القرآن الكريم ﴾.. إن الجيش الذي كونه الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم لحماية المجتمع الإسلامي و نشر الدعوة الإسلامية كان قوامه : مؤمنون قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله رب العالمين مقابل الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض..﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾ (سورة التوبة الآية 111)...!
إن هذه المرحلية و التسلسل الزمني الذي اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نشر الدعوة الإسلامية وإنشاء المجتمع المسلم والدولة الإسلامية ومن ثم بناء الحضارة الإسلامية.. رغم وضوحه في السيرة النبوية (6) و القرآن الكريم فقد تغاضى عنه المسلمونأحزابا و حكومات و مفكرين - في العصر الحديث و تغافلوا عن حكمته.. فغابت عنهم المراحل و الأولويات مما أوقعهم في المحظورات وأبعدهم عن هداية الله و بصائره.!!؟
2- الرأسمالية الغربية:
لقد مثلت الحداثة الغربية في العصر الحديث– قطيعة تامة بين عهود الظلام السابقة التي كانوا يحيونها..! حيث سيطرت الكنيسة بجهالاتها وأغلالها الظالمة و المتحيزة على حياة المجتمع .. وبين ما سمي "بفلسفة الأنوار" التي نادت بتحرير الإنسان من سلطة الكنيسة وجبروتها وحرضته على امتلاك زمام أموره وكسر القيود التي فرضتها عليه عهود من الجهل والإنحطاط، فلقد استفاق الأوروبيون فوجدوا ركاما ضخما من التجارب والمعارف التي خلفتها حضارات عديدة بما فيها الحضارة الإسلامية، فأغراهم ذلك بالتمعن فيها بحثا عن السبيل الموصل إلى البناء الحضاري والتقدم والتحرر من جهالات رجال الدين عندهم و تخريفاتهم..! وما انفك هذا الشعور يتنامى في أوروبا منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي خصوصا في فرنسا وايطاليا...!
وانتبه الغربيون بعد هيمنة طويلة فرضتها الكنيسة الكاثوليكية وإثر تزايد قهر الأباطرة، وصار بعض المفكرين يتحسسون طريق الخلاص من تبعات عصور الإنحطاط...! وكان لتضخم ممارسات الكنيسة الكاثوليكية ولإستفحال السياسة القهرية التي ينتهجها الأباطرة دور كبير في تصعيد الاستياء وتنمية رصيد الشعور الرافض بعد يقين عمقته الملاحظة بان ممارسات الاكليروس ومقررات البابا فاقدة للمصداقية لأنّها تتضارب مع حقائق الوجود وتطلعات الإنسان نحو الإنعتاق و التحرر... فهي تفرض وصايتها عليه باسم الدين!؟ وكان للجامعات أللاهوتية التي وقع بعثها في بعض أقطار أوروبا كالسربون مساهمات في المجال المعرفي وتأثيرات حتى في الكنيسة ذاتها(7).
إن فقدان الشّرعيات الدّينية مصداقيتها ليس فقط بالنّسبة إلى المثقفين.! بل وبالنسبة إلى الشرائح العريضة للمجتمعات الغربية بأسرها هو الذي ولد مفهوم العلمانية الداعي إلى تخليص قطاعات المجتمع والثقافة من سيطرة المؤسسات الدينية ونواميسها و مفاهيمها للدين المسيحي..! وقد سعى مفكرو عصر الأنوار(8) إلى تنوير الشّعب وتحريره من ظلم الكنيسة وجبروتها و تثويره ضد هيمنتها، فرفعوا في وجه الكنيسة التي كانت تبيع صكوك الغفران – "اللائكية"، وفي وجه رجال الدين واستغلالهم للشعب باسم الرب، رفعوا" الحرية والإخوة والمساواة"..إن إزاحة الغربيين لتأثيرات الكنيسة عن مجرى حياتهم نظرا لما أصبحت تمثله من عقبات كأداء في وجه تطور المجتمع واعتاقه من الجهل و التخلف ..! أوجد لديهم الحافز الـقوي علـى البـحث والتنـقيب واستعمال عقولهم هم بدلا من عقول رجال الدين.. واستنباط النـظم السياسية والاقتصادية والنظريات العلمية والمعرفية وغيرها.. بمعزل عن تأثيرات قرون من التخلف والجهل..! والذي ساهمت فيه بقسط وافر قناعات رجال الدين المسيحي الضالة عن وحي الله وكلماته النورانية في التوراة والإنجيل والقرآن..
3- الماركسية:
عاش ماركس(1818-1883) ضمن المجتمع الرأسمالي، وعاين عن قرب أوضاع العمال المتردية، ذلك أن العامل رغم قيامه بالعمل والإنتاج إلا انه لا يتمتع بثمار سواعده، حيث أصبحت الطبقة البرجوازية الرأسمالية هي المالكة " بل المغتصبة لما كان ينبغي أن يكون ملكا للعمال من وسائل الإنتاج "... يقول ماركس في معرض تحليله للأوضاع المتردية التي أفرزتها الطبقة البرجوازية والرأسمالية إن البرجوازية لم تكتف بصناعة الأسلحة التي سوف تؤدي إلى فنائها بل أنجبت الرجال الذين سوف يستعملون هذه الأسلحة – اعني بهم عمال العصر الحديث - الذين يؤلفون البروليتاريا.. وكلما ازدادت قوة البرجوازية أي رأس المال ازداد نمو البروليتاريا، تلك الطبقة التي تضم العمال الذين لا تتوفر لهم أسباب العيش إلاّ إذا وجدوا عملا، ولا يحصلون عليه إلا إذا كان هذا العمل منميا لرأس المال...فهؤلاء العمال الذين يضطرون إلى عرض أنفسهم للبيع يوميا هم معرضون نتيجة لذلك إلى كل تقلبات المنافسة التي تعتري السوق... لقد صار العامل فقيرا وتفاقم الفقر بسرعة تفوق سرعة نمو السكان وتراكم الثـّروات... فمن البين إذن أن البرجوازية لم يعد في إمكانها القيام لمدة طويلة بدور الطبقة المسيرة (9)
تكشف لنا هذه الوثيقة عن وعي "ماركس" بالظلم والحيف الاجتماعي الذي يعاني منه العمال في مجتمع تسوده الأنانية والاستغلال وانتهاج كافة السبل للإثراء ولو على حساب فقر الملايين من العمال..!!؟ لا تهمنا هنا تحليلات ماركس وتنبؤاته الخاطئة فذاك أمر آخر! ما يهمنا هنا هو الموقف والبديل الفكري والسلوك الحضاري الذي انتهجه تجاه واقع معين...! تبنى ماركس إذن هموم العمال ومشاكلهم، وسعى إلى إنشاء منظومة فكرية بديلة: تمثلت في نظريته " المادية التاريخية" ذلك أنها تقوم على مبدأين أساسيين: هما "المادية المنطقية" و"المادية التاريخية".. ذلك أنها تنظر إلى المادة على أنها أساس كل أمر في الحياة، وأن البشرية مسيرة في مختلف أطوارها بتأثير المادة فقط (10) يقول ماركس موضحا ذلك: « إن الأفكار لا يبتدعها دماغ الإنسان... وهذا الدماغ ليس إلا مادة دقيقة التركيب وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجي »(11).
شنّ ماركس وأتباعه حملة منظمة ضد النظام الرأسمالي وكل مبادئه وقيمه و معاييره.. طارحين بدائل فكرية أخرى وقيما و معايير جديدة، ومبشرين بإيجاد جنة أرضية يحكمها الكادحون والعمال والفقراء ..!؟ ففي جريدة "البرافدا" ركز لينين حملاته تحت شعار: « كل السلطة للسفيات " " الأرض للفلاحين"... "الخبز للجائعين"... وفي أكتوبر سنة 1917 قامت الثورة البلشفية، الثورة التي أنبنى على أساسها ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي في العصر الحديث..!

بعد هذا الإستقراء التاريخي السريع لثلاث حضارات/ثقافات مختلفات.. نعود لنطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل هناك شروط معينة لإقامة حضارة إنسانية ؟ و إن كان الأمر كذلك فما هي هذه السنن والقوانين و الشروط المشتركة التي تتحكم في إنشاء الحضارات الإنسانية و تأسيسها ؟

III. سنن بناء الحضارات الإنسانية:
إن استقراءنا للحضارة الإسلامية والحضارة الغربية بشقيها الرأسمالي والماركسي مكننا من معرفة القواسم المشتركة بين هذه الحضارات ومن بلورة السنن والقوانين والشروط الموضوعية التي تتحكم في إقامة الحضارات الإنسانية وهي كالتالي :

1- فكرة إنسانية سامية:
وهذه الفكرة يمكن أن تكون دينا سماويا أو بشريا أو منظومة إقتصادية أو سياسية أو إجتماعية... تحمل في طياتها صفة العالمية واستطاع مفكرو الشعب أن يقنعوه بان فكرته التي يتبناها هي أسمى فكرة على الإطلاق – في الحقبة التاريخية التي يحياها- وأن هذه الفكرة لا تحمل سعادته هو فقط بل مرشحة لإنقاذ البشرية كافة، وتستحق هذه الفكرة أن يضحي الشعب من اجلها ويغامر حتى تتجسد على ارض الواقع، ثم نقلها إلى بقية شعوب العالم لتستفيد منها وتخرجها "من الظلمات إلى النور" ومن الاستغلال إلى التمتع بخيرات الحياة وطيباتها... ومن الجور والظلم إلى العدل و الحرية والمساواة... ومن ظلمات القرون الخالية إلى نور الحياة ورفاهيتها ... إن أي برنامج إصلاحي أو منظومة فكرية عاجزة عن تحقيق النهضة المنشودة في الشعوب المستهدفة و البناء الحضاري.. إن لم تكن تحمل في طياتها هذه السمة، وعجزت عن إقناع الشعب الذي يتبناها بسموها وتفوقها على كل الأفكار والمنظومات الأخرى.
2 - تقزيم الخصم والحط من فكره وقيمه(12)
وهذا القانون/الثابت الثاني هو تكملة للقانون الأول في شروط إقامة الحضارات الإنسانية.. إن "تقزيم الخصم" والحط من قيمة منظومته الفكرية عملية تأتي مواصلة للعملية الأولى وهدفها الوصول بالشعب المراد إنهاضه إلى مرحلة الشعور بالعزة و"الأناقة" وهذا الشعور يأتي كنتيجة حتمية لاعتقاد هذا الشعب و إيمانه الراسخ بسمو فكرته ومعتقداته ومنظومة القيم والمعايير التي تحكمه والتي تفوق في سموّها جميع القيم والمعتقدات و المعايير الأخرى، بل قد لا يعطي هذه المفاهيم و المعايير المنافسة أهمية البتة ما دام يمتلك من القيم و المعايير ما هو أسمى و أرقى..! وهذا يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تماسك الأفكار التي يتبناها وصدقها وتطابقها مع الواقع وقدرتها على الإقناع ومدى اعتقاده فيها وحنكة مفكريه وقدرتهم على تشويه الخصم وأفكاره ومعتقداته..!!
نخلص إلى القول بأنّه متى توفرت لدى أي شعب من شعوب الدنيا منظومة فكرية تحتوي على أفكار سامية واقتنع هذا الشعب بأنها أعظم الأفكار على الإطلاق في تلك الفترة من الزمن واقتنع بوجوب نشرها والتضحية في سبيل إيصالها إلى الشعوب الأخرى...عندها يبدأ ذلك الشعب بصفة تلقائية يسير رويدا .. رويدا نحو النهضة ومن ثم تكوين حضارة متفوقة على ما عداها من الحضارات القائمة... والسبب في ذلك يعود إلى أن إدراك هذا الشعب لسمو فكرته وعالميتها يدفعه إلى البحث والتنقيب في كل المجالات الحياتية والعلمية لإثبات سمو فكرته عمليا للآخرين كي يعتنقوا مثله القيم التي يؤمن بها من جهة، وإقناع خصومه بتفاهتهم ومحاولة " تقزيمهم" و تركيعهم أمام عظمة فكرته وتكاملها وقدرتها على إسعاد الناس جميعا و الإيفاء بمختلف حاجياتهم و رغائبهم...! كما تدفعه إمكانية مواجهة الخصم ماديا و عسكريا.. إلى الاعتناء بالمجال الاقتصادي والصناعي وتكوين جيش قوي لمجابهة كل التحديات الممكنة والتي يمكن إن تهدد فكرته و قيمه... أو تقف حائلا أمام نشرها.. وهكذا تبدأ حضارة هذا الشعب صاحب الفكرة والمفاهيم "السامية" الجديدة في صعود، أما أصحاب الحضارات الأخرى، إن كانت هناك حضارة قائمة فإما أن ينظموا إلى أصحاب الحضارة الصاعدة ويعتنقوا فكرتها السامية ويساندوها ويدعموها بمعارفهم وبالتالي تصبح إنجازاتهم تنتمي إلى الحضارة الجديدة. وإما أن يتزعزع اعتقادهم في فكرتهم التي بنوا عليها حضارتهم، فيفتقدون بذلك الحماس القادر على تمكينهم من مواصلة الإبداع وبناء الحضارة، عند ذلك تبدأ حضارتهم في أفول مستمر.! وتضعف قوتهم المادية والمعنوية شيئا فشيئا أمام القوة الصاعدة والحضارة الجديدة.. كما يصبح الشعب صاحب الحضارة الآفلة مقلدا لظواهر وسلوكيات صاحب الحضارة الصاعدة، اعتقادا منه أن هذا التقليد قد يعيد فيه الحيوية من جديدلكنه يبقى كالذي يريد أن ينجو من الغرق وما هو بناج..!؟ لأنه كلما اغرق في التقليد ابتعد أكثر عن إمكانية الشعور بالعزة و الأناقة، فتتبعثر أموره وتتذبذب حاله ويصبح كالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن لم تحمل عليه يلهث..



الخاتمة
تكشف لنا هذه الدراسة أن الحضارات الإنسانية تخضع في صيرورة نشوئها و انقراضهاعلى اختلاف منظوماتها الفكرية و القيمية - إلى ثوابت و نواميس كونية أزلية عامة و مشتركة بين جميع البشر مهما اختلفت أديانهم و تنوعت ايديولجيتهم وتفرقت أراضيهم و اختلفت أزمانهم .. و إن إيجاد حضارة ما متطورة يبدأ بإيجاد الإنسان الذي يتبنى الأفكار و المفاهيم الراقية و المتطورة.. فالله لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وان قانون تغيير ما بالنفوس البشرية لتغيير الواقع المادي والحضاري للشعوب.. قانون أزلي لم يشذ عنه حتى أتباع المادية التاريخية الذين ينظرون إلى المادة كونها أساس كل أمر في الحياة، وأن البشرية مسيرة في مختلف أطوارها بتأثير المادة فقط..!!؟ فالقوانين التي تتحكم حقيقة في أحداث التاريخ البشري و مجرياته وتوجه مختلف تطوراته هي القوانين الكونية والأزلية التي سطرها الله في القرآن العظيم و يحكم بمقتضاها موجوداته و سائر مخلوقاته .. و ما على الإنسانية إلا العودة إلى كتاب ربها مباشرة إذا ما أرادت أن تهتدي و تنتظم أوضاعها و ينصلح حالها.. و ليس إلى كتب رجال الدين من الفقهاء و الأحبار و الرهبان الذين تكون تفسيراتهم وتأويلاتهم للنصوص المقدسة محكومة بمصالحهم و مصالح الطبقات التي يمثلونها أو الضاغطة عليهم سياسيا واقتصاديا و اجتماعيا..!
لقد شكل رجال الدين- و ليس الدين نفسه- في التاريخ و الحضارة الغربية عقبات معرفية خطيرة وقفت في وجه تطور المجتمع الغربي و نهوضه و تحرره- كما لاحظنا في قراءتنا لنشوء الحضارة الغربية المعاصرة-... لذلك تكاتفت جهود « فلاسفة الأنوار" وجهود الماركسيين على إزاحة هذه العقبة الكأداء.. حتى كان شعار الثورة الفرنسية:( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).. وشعار الماركسيين:( الدين أفيون الشعوب).. كما شكل رجال الدين و الفقهاء في التاريخ الإسلامي و لا يزالون اكبر داعم لحكم الطواغيت المتالهين و السماسرة المتاجرين بقضايا الشعوب .. وإلباس الحق بالباطل و تفريق الأمة الإسلامية الواحدة إلى ملل و شيع متفرقة... متناحرة ‘ باسها بينها شديد..!!؟ فمنذ استيلاء معاوية ابن أبي سفيان على الخلافة الإسلامية بالقوة و قيامه بتصفية أنصار علي بن أبي طالب بعد و فاة الرسول صلى الله عليه وسلم بحوالي 30 سنة..!! شرع الفقهاء المسلمون للطريقة العنيفة التي توخاها معاوية للاستيلاء على الحكم بالقوة و برروها شرعيا..!؟ كما شرعوا – منذ ذلك الحين - للمذاهب الفقهية و المدارس الاجتهادية التي فرقت المسلمين و قسمتهم إلى ملل و نحل متنافرة و متناحرة.. كل حزب بما لديهم فرحين!؟ و هم الذين شرعوا و يشرعون لمذاهب السنة و الشيعة و لمذاهب السلفيين الجهاديين..!؟ و هم الذين شرعوا و يشرعون للحركات الإسلامية المنادية بالديمقراطية الغربية و الإعراض عن قوانين الله الأزلية المفصلة في القرآن الكريم..!؟ و هم الذين يشرعون للأنظمة العلمانية التي تحكم العالم الإسلامي اليوم بتبريرات دينية و فقهية واجتهادية..!!؟ لذلك أصبح "الفقهاء الإسلاميون" يشكلون – كما شكل رجال الدين المسيحي- عقبة كأداء وخطيرة جدا أمام تحرر مجتمعاتنا الإسلامية من ربقة الإستعمار الحضاري الغربي و من الأغلال الفقهية التي صارت تكبل المواطن العربي المسلم بأثقال تدفعه دفعا إلى مكان سحيق من التخلف الفكري و الحضاري والإنحطاط الأخلاقي بمبررات دينية و فقهية و اجتهادية ما انزل الله بها من سلطان .!!؟ و توسيع قابلية المواطن العربي المسلم للنهب المحلي و الدولي والاستغلال المنظم برضى تام! حتى غدا هذا المواطن فيئا يسيرا و أسيرا للجراثيم الفتاكة و كل الأمراض المزمنة في العصر الحديث..!؟
لقد ظلّ " المفكرون وزعماء الإصلاح " في البلاد الإسلامية يعتقدون ولا يزالون بان الأنظمة والتشريعات السياسية والإجتماعية و الإقتصادية و غيرها.. هي التي ستنهض أمتهم الإسلامية من كبوتهم إذا ما اقتبسوها من المجتمعات الغربية المتطورة، فاقتبسوا أنظمة الغرب وتشريعاته و لا يزالون، لكن دون جدوى... فالحال تزداد سوءا و انتكاسا على مر الأيام ..!
وما دروا انه على الرغم من تنوع الأنظمة والتشريعات لدى الشعوب المختلفة قامت الحضارات العديدة في التاريخ البشري.
إن القوانين والتشريعات ما هي إلا شكل من أشكال التنظم وتسهيل العلاقات الإنسانية في المجتمعات البشرية وتنبع عادة من حاجيات هذه المجتمعات وطموحاتها و تعبر عن إرادة أبنائها.. وتنبثق عن منظوماتها القيمية والفكرية ومفاهيمها عن الكون والإنسان والحياة و معاييرها الدينية و الحضارية.. وليس هناك أي سند تاريخي أو واقعي يدل على أن الحضارة تبنى نتيجة لهذه القوانين والنظم والتشريعات البشرية و الوضعية.. وإنما هو التباس الأوضاع وضبابية الرؤيا.






المراجع
1* (أمين)احمد: زعماء الإصلاح في العصر الحديث بيروت – دار الكتاب العربي 1979
- ( شرابي)هشام: المثقفون العرب والغرب . بيروت – دار النهار 1973.
2* انظر كتاب: الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة د. نازك سابايارد الطبعة الأولى 1979.
3 *نفس المرجع
4 *مستقبل الثقافة بمصر د طه حسين .
5 *الإسلام في مفترق الطرق تعريب عمر فروج .
6*راجع مثلا: دراسة في السيرة للدكتور عماد الدين خليل، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة 1981.
7* كارل ماركس" بيان الحزب الشيوعي"
8*(يكن) فتحي:كيف ندعو إلى الإسلام ص55
9*خفاجي المحامي (عبد الحليم ) حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون ص55
10*المرجع: العلمانية وانتشارها غربا وشرقا،فتحي ألقاسمي – سلسلة موافقات – الدار التونسية للنشر – فيفري 1994)
11*فولغين (ف) فلسفة الأنوار- بيروت – دار الطليعة ط1981
12*يقول الله عز وجل : « الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » - (سورة البقرة الاية257 )
* ويقول فولتير احد زعماء التنوير الأوروبي: إن محمدا ولد أميرا واستدعي لتسلم مقاليد الأمور عن طريق الناس له ... ولو انه وضع قوانين سليمة ودافع عن بلاده، لكان من الممكن احترامه وتبجيله ولكن عندما يقوم راعي ابل بثورة ويزعم انه كلم جبريل وانه تلقى هذا الكتاب غير المفهوم الذي تطالع في كل صفحة منه خرقا للتفكير المتزن حيث يقتل الرجال ويخطف النساء لحملهم على الإيمان بهذا الكتاب، مثل هذا السلوك لا يمكن أن يدافع عنه إنسان لم تكن الخرافات قد خنقت فيه نور الطبيعة.
*ويقول ماركس:« إن كل دين ليس سوى الانعكاس الواهم في دماغ البشر للقوى الطبيعية التي تسيطر على وجودهم اليومي.



مفهوم الحداثة الإسلامية ؟

رغم مرور أكثر من قرنين منذ أن غزا بونابرت مصر سنة 1798م... فان سؤال ‹‹ كيف نتقدم؟›› لا يزال يطرح بأشكال متعددة..؟ فمنذ تلك الغزوة بدأ المسلمون يفركون عيونهم بعد نوم عميق..! كان سببا في إخراجهم من حلبة التنافس الحضاري والثقافي لزمن طويل و أغرى بقية الأمم بالتطاول و محاولة بسط الهيمنة عليهم .. وقد اختلفت المقاربات الفكرية وتنوعت في كيفية امتلاك منابع القوة والقدرة على الفعل وصنع أحداث التاريخ مرة أخرى كما كان أجدادنا يفعلون منذ انبلاج فجر الإسلام العظيم.! فالمسلمون كانوا :﴿خير امة أخرجت للناس﴾ و قد امتلكوا ناصية الأمم لردح طويل من الزمن وقادوها بالنور الذي انزله الله على امة الإسلام رحمة للبشرية كافة..! لقد أضحت قضية ما صار يعرف ب"الحداثة " قضية محورية مزمنة في تاريخ المجتمع العربي الإسلامي الحديث،ولم تتوضح الحلول المقنعة لجميع الأطراف إلى حد الآن..؟؟
وفيما يلي سأحاول تقديم مقاربة لقضية "الحداثة الإسلامية" عساي أساهم ولو بلبنة في المضي قدما للحسم في هذه القضية الشائكة...! فماذا نقصد "بالحداثة
" تحديدا ؟
ما نعنيه بالحداثة هو: ‹‹ ذلك الصراع المحتدم بين الأمم من اجل آن تكون امة "هي الأقوى والأغنى والأربى من بقية الأمم".. وان تمتلك تلك الأمة: "القدرة المبدعة على التغيير الذاتي والتطوير المستمر نحو الأفضل لجميع الهياكل المسيرة لدواليب مجتمعها و مؤسساته، ويحصل أهلها على الأمن من الاعتداءات، مطمئنة .. و مستقرة لا يخاف أهلها ولا يضايقهم شيء
... و﴿يأتيها رزقها رغدا من كل مكان﴾...!
وعلى النقيض من ذلك فان الأمة المتخلفة/غير الحداثية ... هي تلك الأمة التي يعيش أفرادها الجوع والحرمان والفزع والهلع ويشتد ألمهم علي مر الزمان.. و تنتكس حالهم، كما يكثر التطاحن الاجتماعي والصراع بين أفرادها!!و تزداد قابليتهم للتقليد و الاستعمار يوما بعد يوم ..!! فهل من سبيل لبناء "حداثة إسلامية" جديدة ؟
لقد احتاجت الشعوب التي استطاعت تشييد حضارة وقيادة الأمم في مرحلة زمنية معينة وتتوفر على معاني الحداثة التي حددناها آنفا – كما بلورنا من قبل
- إلى‹‹ فكرة إنسانية سامية›› تأخذ بالألباب وتبهر العقول وتثير العواطف الإنسانية وتحرك الحواس الناعسة...! فلقد حمل العرب المسلمون فكرة ‹‹إخراج الناس من الظلمات إلي النور››... ورفع الغرب شعار ‹‹ تخليص الإنسان من القصور الذي كبلته به الكنيسة بوصايتها عليه والدعوة إلى الحرية والأخوة والمساواة ››.. ووعد الإشتراكيون أتباعهم ب‹‹ إيجاد جنة أرضية للعمال المسحوقين››...!
وهكذا احتاجت هذه الحضارات الثلاث: (الإسلامية والغربية والاشتراكية)إلى:‹‹ فكرة إنسانية سامية›› لتجلب إليها الأنصار وتضمهم إلي صفوفها وتجعلهم مستعدين للنضال والتضحية في سبيل إنزال هذه ‹‹الفكرة السامية›› إلي الواقع المعيش ليحيا في ظلها الناس، بل وكان أنصار هذه الفكرة يغزون أو يفتحون أو يستعمرون الأصقاع باسم هذه ‹‹ الفكرة الإنسانية السامية››... ولقد مثلت ‹‹ﺍﻠﺣﺪﺍﺜﺔ›› دائما قطيعة تامة و مفصلية بين عهدين، عهد الظلمات والمظالم والتخلف وعجز الإنسان عن الفعل الايجابي والغيبوبة التاريخية، وبين عهد جديد يتحرر فيه هذا الإنسان من سلطة التراث والتبعية والتقليد الأعمى لهذا الطرف أو ذاك.. وامتلاك زمام النفس والمبادرة وكسر القيود و الأغلال ـ بمختلف تشكلاتها التي تكبله.... وتمنعه من التحاور مباشرة مع واقعه، واختيار أنجع الطرق والوسائل والتقنيات لتجاوز الموروث سواء أكان هذا الموروث ينتمي إلي حضارة الأجداد أو حضارات الأمم الأخرى، قديما كان أو حديثا..!؟
فالإنسان‹‹الحداثي›› هو ذاك الذي يمتلك القدرة الفائقة و المبدعة علي الإستفادة من الموروث الإنساني في جميع الميادين
.. متحررا من كل ما يعيقه عن الإضافة والإبداع والتجاوز ومزيد بسط سلطته وهيمنته على الكون والحياة و الإستفادة من التسخير الإلاهي لكل ما في الكون.. والإرتقاء بأخيه الإنسان إلى السيادة المطلقة على كل شيء في هذا الكون الشاسع، حتى يتفرغ بعد ذلك لعبادة خالق الكون والحياة، فالإنسان سيد وحيد لهذا الكون والله رب وحيد للإنسان، فلا يخضعن هذا الإنسان لسلطة أخرى مهما كان مصدرها...! سوى لسلطة الله خالق الكون والحياة والإنسان...! وهو(الإنسان) في كدح متواصل حتى يلتقي بالملإ الأعلى.. وقد أفرغ جميع شحناته وطاقاته وقدراته في هذه الأرض التي قبل أن يكون سيدا عليها وعبدا لخالقها وحاملا لأمانة الله في الأرض:﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا﴾.
لقد ابتلي المسلمون قديما وحديثا بمن حول أحداث التاريخ وتجارب المسلمين السابقة و التي كانت وليدة ظروفهم الحضارية و العلمية و المعيشية.. إلي صنم / عائق يتعبدون في محرابه..!؟ مرددا قول العرب القدامى في مواجهتهم للإسلام :﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ و﴿إنا وجدنا آبائنا علي امة وإنا علي أثارهم مقتدون ﴾ متناسين التزامهم بتوحيد الله والخضوع لربوبيته بما يعني عدم خضوعهم إلاّ لأوامر الله ونواهيه و الالتزام بثوابته و بصائره المفصلة تفصيلا بينا والسير على هدي القرآن العظيم لكونه يشتمل على المنهج الأزلي الذي عبده الله لعباده المتقين...!؟ وقد حالت هذه المواقف المتخلفة بيننا وبين الحداثة الحق والتقدم السليم ورؤية ما يدور حولنا من أحداث متجددة ووقائع حياتية معاصرة تفرض علينا حلولا أخرى غير التي ارتآها أجدادنا في "ميدان المعاملات" لتغيرالظروف و الملابسات ! وكل هذا يتطلب اجتهادا وإعمالا للعقل لاستنباط الحلول الملائمة للمشكلات المعيشية والحياتية و العلمية و الإنسانية و مختلف التحديات التي تواجهنا في حياتنا الدنيا..! وتعيق بلداننا عن النهوض والتقدم وتحقيق العزة والشهادة على بقية الأمم والشعوب بسبب ما نمتلكه من ثوابت إلاهية و معايير واضحة لكل أنواع السلوك البشري السليم ..! تهبنا القدرة على معرفة السلوك القويم في مختلف دروب الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وغيرها
...!
كما ابتلينا بمن اتخذ منجزات الغرب وحضارته صنما/عائقا معرفيا يعتقل عقلنا ويمنعنا من فهم متطلبات حياتنا وتحقيق سيادتنا على حاضرنا ومستقبلنا. وقد حال كل ذلك بيننا وبين الإعتماد على النفس لتحقيق إنجازاتنا الحضارية الخاصة بنا حتى نكون أهلا لقيادة مسيرة العالم من جديد...! إن ما نملكه من ثوابت إلهية و بصائر عقلانية في جميع ميادين الحياة يعطينا الحق في قيادة الشعوب – إن نحن آمنا واستمسكنا بها- والتصدر لتوجيهها نحو الخير والفضيلة حتى نكمل رسالة من ابتعثه الله رحمة للناس كافة..! إن الإبداع الحضاري والابتكار والتقدم مرهون إلي حد كبير بثقة الإنسان في صحة مبادئه واعتقاده في تفوقها على جميع المبادئ الأخرى – كما المحنا من قبل- ، وإن ما نتج عن الحضارة الغربية إلي حد الآن من تعميق للهوة بين الفقراء والأغنياء ومن احتجاجات عالمية عن ‹‹الكيل بمكيالين و اختلاف المعايير و اضطرابها حد التناقض ›› وما نراه ونسمعه من تطاحن رهيب وتقاتل على الحكم والمسؤولية باسم الديمقراطية الغربية..! وعدم استقرار للمجتمعات الغربية نفسها، وانتشار للظلم والعنصرية والحروب المدمرة واستفراد أقلية بالثروات الكونية... كل ذلك يجعل من إقناع الأمة الإسلامية بصحة هذه المبادئ والقيم و المعايير الغربية أمرا متعذرا إن لم يكن مستحيلا، خاصة وهي الوارثة للقرآن العظيم/ الميزان الحق للسلوك الإنساني... والذي لم يثبت إلي حد اليوم أنه يحتوي على آية واحدة من شانها أن تعرقل التطور أو تقف في وجه الإبداع الحضاري و التقدم الاجتماعي و الإنساني في مختلف الميادين الحياتية، لأن هذه الآيات/ البصائر لم تعالج مطلقا متغيرات الحياة البشرية وإنما نصت جميعها علي الثوابت/الحقائق الأزلية التي فطر الله الكون والحياة عليها منذ خلقهما الله و التي تتطابق مع الواقع في الكون والحياة والإنسان .. وهي معادلات و قوانين أزلية مطلقة .. تخترق الزمان والمكان... قد سطرت ﴿ الطريق المستقيم﴾ المعبدة التي تصلح لان يسلكها الإنسان السوي إذا ما أراد حياة إنسانية راقية لا تشوبها الشوائب .! ولقد تركت هذه الآيات/الثوابت حرية الإبداع والاجتهاد و التطبيق العملي في كل المتغيرات المعيشية النسبية التي يمكن أن تطرأ على حياة الإنسان بشرط استلهامه هذه الحقائق الأزلية في اجتهاداته المعيشية المختلفة و معاملاته اليومية و ليست "العبادية" : إذ العبادات كان قد وضحها رسولنا الأكرم صلى الله عليه و سلم و نحن ملزمون جميعا بان نصلي و نعبد ربنا كما كان صلى الله عليه و سلم يعبد ربه : ففي قضية العلم مثلا نجد النص القرآني لم يحدد مطلقا الوسائل والأساليب التي يمكن أن يتبعها الإنسان لتحصيل العلم واختراق الآفاق وتحقيق الاكتشافات لأنها متغيرة بتغير الزمان والمكان وبحسب اجتهاد الإنسان وحاجاته و تفاعلاته مع مجتمعه و حضارته ، لكنها أجمعت كلها على ضرورة طلب العلم وجعله مفتاحا لكل ما يفيد الإنسان في دينه ودنياه وهي حقيقة أزلية لا شك في ذلك، وفي السياسة نص القرآن على وجوب الشورى في جميع ما يهم شؤون المسلمين الخاصة والعامة وحث المسلمين علي العدل واجتناب الهوى والحكم بما انزل الله في كتابه العزيز وعدم التمييز بين الناس واعتماد المعايير الإلاهية في تقييم سلوك الإنسان دون غيرها من المعايير البشرية النسبية المتحيزة بطبعها:﴿ يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾(سورة المائدة الآية 8 )،و قد حرمت بصائر الأزلية الفساد في الأرض أو قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق أو جعل ثروات البلاد - التي هي ملك لله في الأصل- دولة بين الأغنياء دون سائر خلق الله... وقد دعا القرآن إلى اشتراك المسلمين جميعا في تحمل المسؤولية وتكوين: "أمّة" تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتتبع ما أوحى الله به إلى محمد صلى الله عليه وسلم / قدوة كل من أسلم وجهه لله رب العالمين، خلال مرحلتين: مرحلة الدعوة(المرحلة المكية) ومرحلة الدولة(المرحلة المدنية ).. وهكذا دواليك.... ودور الإنسان أن يعتمد هذه الثوابت/البصائر المعلنة لإستنباط المؤسسات الكفيلة بإنزالها إلي حيز الواقع المعيش حتى ينعم الناس - جميع الناس- برحمة الله ويأمنوا على حياتهم وأرزاقهم ومكتسباتهم ويمتلكوا القدرة علي الإضافة والإبداع ويواصلوا أداء رسالتهم في الحياة..! يقول الله عز وجل :﴿ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ﴾ (سورة الكهف الآية عدد 109 ) فما الذي أصابنا في العصر الحديث حتى صرنا عاجزين عن استنباط ما يلزمنا من حلول لإصلاح معيشتنا و الإرتقاء بها انطلاقا من آيات الله التي لا تنفذ معانيها أبدا .. وصرنا نتخبط خبطا عشواء معرضين عن نور الله!؟لقد صارت شعوبنا الإسلامية تعيش ضنكا مؤلما في حياتها و قد تداعت علينا الأمم من كل حدب و صوب .. و نحن نقف عاجزين عن حماية شعوبنا و أنفسنا من المستنقع المظلم الذي انحدرنا فيه بسبب إعراضنا عن نور الله و سبيله المستقيم!؟
إن اقتحام أمتنا الإسلامية لعصر العولمة باقتدار وجدارة وامتياز، رهين لشروط وقرائن لأبد من استحضارها جميعا حتى نفوز بقصب السبق في جميع الميادين الحضارية وننقذ أنفسنا و امتنا و العالم من حولنا
:

*
إذ لابد من استعمال عقولنا وحواسنا نحن لمواجهة مشكلاتنا الحياتية، واستنباط ما يلائمنا من حلول لمختلف مشكلاتنا بما يتوافق مع مصلحتنا حاضرا ومستقبلا .. مستنيرين في ذلك بكتاب الله و بصائره، بدلا من استنساخ الحلول القادمة من وراء البحار وإسقاطها على شعوبنا المسلمة والكف عن استعارة عقول ‹‹الآخرين /الأعداء›› وطرق تفكيرهم ومناهجهم في بحث المشكلات العالقة...و أن نكف عن تقديس ماضينا الحضاري و تراثنا الإسلامي و عبادة الآباء و الأجداد و أن ننظر إلى هذا التراث بوصفه تجربة حضارية نسبية قد عبرت عن تفاعل آباءنا مع عصرهم و مجتمعهم ارتكازا على بصائر القرآن الأزلية لا غير. و من حقنا نحن في العصر الحديث أن نصنع تجربتنا الخاصة بنا ارتكازا على الثوابت القرآنية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها على عكس تراث الآباء والأجداد و تجاربهم..!! إذ بفضل هذا التراث و هيمنته علينا صرنا دراويش نحيا خارج إطار الزمان و المكان !!؟
*
لا بد من استحضار الواقع المعيش بكل تجلياته وتعقيداته
.. ولا فائدة من ستر أمراضنا مهما كان الداء مستحكما بدعوى الحفاظ على أسرارنا وعيوبنا حتى لا يستغلها الأعداء !!؟ إن منطق التستر على الآفات التي تكدر صفو حياتنا السياسية والثقافية والاجتماعية والعلمية وغيرها قد زاد الطين بلة حتى صارت الجراثيم تصول وتجول وترتع حيثما شاءت وتعفن ما قدرت على اقتحامه من حياتنا حتى بدا لنا العلاج متعذرا لشدة ما فتكت بنا الأمراض وألحقته في نفوسنا من أذى وفي أجسادنا من جراح مثخنة...!؟ وكل هذا يتطلب وقفة حازمة صادقة خالية من العقد لنواجهه بصبر وثبات وننقذ حياتنا مهما تطلب ذلك من تضحيات...!
*
لا بد عند بحثنا لمجمل قضايانا أن نعود إلي ثوابتنا القيمية والحضارية و معاييرنا الإسلامية والتي يمكن اختزالها في القرآن أساسا مستعينين في فك المستغلق من هذه الثوابت ـ إذا شئنا ـ بإنجازات كل الحضارات الإنسانية بدون استثناء دون إن يعيقنا ذلك عن المضي قدما في طريق بناء الحضارة الإسلامية الجديدة المتفوقة .. مستفيدين مما يمكن الاستفادة منه ودون الارتهان لتلك الإنجازات قديمها وحديثها
...!
إن أخذ كل هذه الشروط والإعتبارات لمواجهة كل مشكلاتنا الحياتية والحضارية و السياسية و المعيشية.. من شأنه أن يعيد لنا القدرة علي الفعل والتحفز أكثر على الإنجاز واختراق الأفاق و تحقيق العزة و الأمن وبلوغ ما وراء العرش تطورا وازدهارا وتقدما حتى نكون أهلا لقيادة مسيرة البشرية من جديد


الرحمة المهداة للعالمين
عاش محمد بن عبد الله يتيما و فقيرا و ضالا عن هداية الله كبقية خلق الله مدة أربعين سنة... ثم اجتباه ربه من بين جميع البشر ليكون المبلغ عن الله كلماته إلى الناس كافة، وقد كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مستوى التكليف والمسؤولية الملقاة على عاتقه، فاستوعب آيات الله البينات، وآمن بها وانصاع لكل أوامرها و نواهيها ... وجسدها في أخلاقه ومعاملاته ومعتقداته ونظرته لكل تفاصيل الحياة البشرية أحسن تجسيد ممكن في زمانه
...! فكان خلقه القرآن، واستطاع بثباته و بصبره على أذى قومه بمكة أن يؤسس مجتمعا إسلاميا بالمدينة – بعد هجرته إليها- يدين بالإسلام في جميع مناحي الحياة الثقافية والسياسية الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية..!
إن آيات الله الموحى بها إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تتناول كلها الحقائق والمفاهيم الثابتة في الكون والإنسان والحياة لأنها من عند العزيز العليم رب السماوات والأرض، ربّ العالمين، وهي حقائق لا تتبدل ولا تتغير منذ خلق الله الكون والإنسان والحياة، وقد أوحى الله بهذه الحقائق الأزلية إلى كل أنبيائه عليهم السلام ... بلغاتهم المختلفة لتكون للمؤمنين بهؤلاء الأنبياء النور الذي به يهتدون في ظلمات الحياة ودروبها المتشعبة المدلهمة، و قد انصاعوا إليها جميعا و جسدوها في حياتهم كل حسب ظروفه التاريخية و الحضارية و المعيشية...: يقول الله العليم الحكيم:﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾ (سورة الشورى الآية 13
).
لقد جاءت كلمات الله البينات لتفك كل رموز الحياة وتصحح مفاهيم الإنسان عن حقيقة الألوهية والربوبية و حقيقة الكون والإنسان والحياة ..و تفضح أهل الكتب السابقة و ما ادخلوه من بدع و ضلالات و تحريفات لأديانهم ..!!؟ وتجعل الإنسان على بينة من أمره ليحيا من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وهي مهمة قد تكفل الله بها منذ نزول ادم عليه السلام إلى الأرض:﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ (سورة البقرة الآيتين 38 و39). وقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يجعل من أسباب الحياة الطيبة الهنية الاهتداء بآياته البينات في جميع مناحي الحياة، يقول الله عز وجل:﴿ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ (سورة طه الآيات 123و124و125و126
).

لقد كرّس الرّسول محمد صلى الله عليه وسلم كل حياته في سبيل إنارة درب أمته الإسلامية بمفاهيم الإسلام الصحيحة المبنية على بصائر القرآن و معاييره الربانية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها.. وجعلها خير امة أخرجت للناس للشهادة عليهم وقيادتهم وإخراج من شاء منهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده خالق الكون والإنسان والحياة الجدير بالعبادة، ومن ضيق الدنيا - بفعل الأغلال والتقاليد التي يكبلون بها أنفسهم - إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان الباطلة و المزيفة التي يصنعها رجال دينهم .. إلى عدل الإسلام ورحمة الله التي وسعت كل شيء، قدوته في كل ذلك جميع الأنبياء السابقين عليهم السلام.. ما داموا يشتركون جميعا في حمل نفس الرسالة نفس الثوابت و البصائر الأزلية الموحى بها من الله رب العالمين
: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ (سورة المؤمنون الآية 51 و52). إن إقتداء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالرسل من قبله يأتي من منطلق وحدة الرسالة الإلاهية و القوانين الأزلية التي بشروا بها أقوامهم على اختلاف أزمانهم وأوطانهم..! كما يأتي استجابة لأوامر الله عز وجل الذي قص عليه قصصهم في القرآن مع أقوامهم وكيفية تعامل كل واحد منهم مع قومه في التبشير والإنذار بالرسالة الإلاهية الواحدة (توحيد الله)التي كلفوا جميعا بإبلاغها إلى أقوامهم في إطار من الوضوح والبيان .. يقول الله عز وجل :﴿ أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم إقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ (سورة الأنعام الآيتين 89 و90).
لقد حد بديع السماوات و الأرض حدودا معلومة و ضبط سننا أزلية ثابتة لجميع مخلوقاته .. تحيى بمقتضى السير على هداها كل الكائنات و تضمن بها لنفسها صيرورة سالكة و حياة طبيعية هانئة..إن خروج أين من هذه الكائنات عن حدود الله و نظامه البديع وسننه الدقيقة في الكون و الحياة.. الذي أبدعه الله بقدرته الفائقة و حكمته الأزلية .. يعني حتما فقدان هذه الكائنات الضعيفة في أصل خلقتها لتوازنها الحيوي واندثارها أو موتها و هلاكها.. فخروج كوكب الشمس عن مداره الذي خلق له يعني حتمية احتراق الكون برمته.. كاحتراق القطار الذي يحيد عن سكته..أو تحطم السيارة أو الشاحنة الجانفة عن الطريق المعبدة لسيرها ..!؟ كذا تضطرب حياة بني ادم و تنتابهم شتى الأمراض والمهالك و العلل إن هم حادوا قليلا أو كثيرا عن ﴿الصراط المستقيم ﴾المعبد لهم للسير فيه منذ الأزل .. و قد فصلت لهم معالمه تفصيلا بينا في كل الكتب الإلاهية التي لم تطلها يد التحريف أو التأويل أو التشويه.. و قد عمل كل الأنبياء عليهم السلام إلى تذكير أقوامهم بمختلف معالم هذا ﴿الصراط المستقيم ﴾ منذ نوح عليه السلام و انتهاء بمحمد صلى الله عليه و سلم
.
إن الزيغ عن قوانين الله الأزلية و سننه الفطرية التي فطر الناس عليها يعني حتمية نيلهم الخزي و الشقاء في الدنيا و خلودهم في عذاب جهنم يوم يقوم الناس لرب العالمين
.
إن الله عز وجل قد أبان للإنسان المنهج الحق والشريعة الحق منذ خلق ادم عليه السلام لذلك نجده عز وجل يخاطب عبده ادم عليه السلام قائلا: ﴿اهبطوا منها جميعا – الجنة- فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾(سورة البقرة الآيتين 38 و39 ). كما نجد الله عز وجل يذكر المسلمين دائما بان القرآن هو كتاب الله الخالد الذي جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكل الكتب الالاهية السابقة له:﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾(سورة الأعلى الآيتين 18و19) وعندما يخاطب الله بني إسرائيل يقول لهم:﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون﴾ (سورة البقرة الآيتين 40 و41). كما أن عقيدة المؤمن مبنية أساسا على الإيمان بالله وجميع كتبه ورسله... يقول الله عز وجل:﴿امن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل امن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (سورة البقرة الآية 285
). وعندما يأمر الله عز وجل المؤمنين بصيام شهر رمضان يذكرهم بان فريضة الصيام قد فرضت على المؤمنين من أتباع الرسل السابقين أيضا... يقول الله تبارك وتعالى :﴿ يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾(سورة البقرة الآية 183). وكثيرا ما ذكر القرآن المؤمنين انه يريد أن يهديهم "سنن الذين من قبلهم" من عباد الله الصالحين.. والحاصل أن شريعة الله مكتملة منذ خلق الله عز وجل ادم عليه السلام وقرر أن يجعله خليفة في الأرض، فأوامر الله ونواهيه ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتغير الزمان أو المكان، وكانت المهمة الأساسية لرسل الله عليهم السلام تذكير أقوامهم بها ليسير على هديها من شاء ويكفر بها من شاء، والمتبعون لها يسميهم الله:«المؤمنون والمهتدون وأولو الألباب وأولو العلم...» وغير المتبعين لتعاليم الله يسميهم الله:« المشركين والكفار والمنافقين والعصاة والظالمين والذين لا يعقلون والجاهلين.. كما يشبههم الله عز وجل بالأنعام بل هم أضل... وبالتالي لم يترك الله إمكانية للاجتهاد البشري في الدين ولو كان هذا المجتهد نبيا أو رسولا. فالتشريع و تحديد المعايير للسلوك البشري .. قد اختص الله به دون سائر البشر‘ وكل ما يحتاجه المؤمن في حياته الدنيا قد فصل الله فيه القول تفصيلا..! وقد أعلمنا الله عز وجل انه:﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ و﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾. وهذا الإخبار القرآني باكتمال شريعة الله وتفصيل كل دقائقها ينزع عن المجتهدين في الدين و الفقهاء الإسلاميين أي مشروعية، بل إن الله يعتبر أن أتباع هؤلاء المجتهدين في الدين :﴿ قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ كما فعل اليهود والنصارى من قبل .. وبالتالي فان المجتهدين في الدين وأتباعهم هم كفار ومشركون في المفهوم القرآني! فالمؤمن بالله حق الإيمان المقتنع بربوبية الله عز وجل لا يحتاج لانتهاج السلوك القويم إلاّ لكتاب الله الذي انزل آيات بينات/ بصائر الاهية استطاع محمد صلى الله عليه وسلم - قدوة جميع المؤمنين- وأنصاره من الأميين المؤمنين فهمها واستيعابها بحسب معطيات عصرهم الحضارية .. وإقامة دولة إسلامية قوية على أساسها..أوصلت تعاليم الله و شريعته و معاييره و قرآنه إلى أقاصي الأرض.!
لقد بدأ الصراع بين الحق و الباطل منذ أن بدأت الحياة على الأرض..! و قد ألهب شرارة هذا الصراع ابنا ادم عليه السلام.. و بدأ الصراع بين متبع لهداية الله المفصلة في الكتاب المنزل وخائف من عقابه.. و بين متبع لهواه و أنانيته
..! لا يهمه ارضي الله أم سخط ..! و لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .. اقتضت حكمة الله أن يبعث رسلا من البشر يذكرون أقوامهم بتعاليم الله و ثوابته و قوانينه الأزلية في شتى مجالات الحياة الدنيا.. و قد اجتبى الله هؤلاء الرسل من بين الناس لما تحلوا به من طهر و عفة و رجاحة عقل مقارنة بمعاصريهم من ذوي الألباب .. إن مهمة هؤلاء الرسل عليهم السلام تتمثل أساسا في تذكير أقوامهم بآيات الله البينات و المتضمنة لكل تعاليم الله مبتدئا بنوح عليه السلام و مختتما بمحمد صلى الله عليه و سلم.
إن تعاليم الله التي ذكر بها نوح – عليه السلام – قومه هي نفسها التي أوحى الله بها إلى محمد صلى الله عليه و سلم- القرآن – وهي نفسها التي ذكر بها موسى و عيسى عليهما السلام : في التوراة و الإنجيل و هي نفسها التي ذكر بها داوود و إبراهيم عليهما السلام في ألزبور و الصحف . . وهي ثوابت صار على هديها كل الصالحين من عباد الله المخلصين عبر مختلف العصور و ألازمان و في كل مكان
.. إن السير طبق تلك الثوابت الالاهية ( آيات بينات ) ماضيا و حاضرا و مستقبلا .. و إلى أن يرث الله الأرض و من عليها هي الضامن الوحيد لرضوان الله و الفوز بجنته يوم يحشر الناس لرب العالمين...و هي الضامن الوحيد لوحدة الأمة الإسلامية في العصر الحاضر و العصور اللاحقة وهي الضامن الوحيد لقوة الأمة الإسلامية و وحدتها و عدم تشرذمها كما هو واقعها الآن بفعل هجرها للقرآن .
إن مبادئ الله و ثوابته في الكون و الإنسان و الحياة و المجتمع هي مبادئ عامة لكل البشر منذ خلق ادم عليه السلام وهي مفصلة تفصيلا دقيقا في كل الكتب السماوية قبل أن ينالها التحريف و التأويل و التشويه من قبل بعض أتباع الرسل السابقين على محمد صلى الله عليه و سلم .. لذلك اقتضت حكمة الله أن يكون الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه و سلم * القرآن
* معجزا و غير قابل للتحريف أو التأويل أو التشويه... متحديا الإنس و الجن أن يأتوا بسورة من مثله لان محمدا صلى الله عليه و سلم هو آخر المرسلين لبني البشر .. و كتابه * القرآن *هو آخر الكتب السماوية المنزلة على بني ادم.. من اتبعها فقد هدي إلى الصراط المستقيم و من زاغ عنها بدعوى الحداثة و الاجتهاد و التأويل فقد ضل ضلالا مبينا..!!
1-
الوحي الإلاهي
:
من معاني الوحي: الخلق.. :﴿ و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و مما يعرشون ﴾ ( سورة النحل الآية 68) و الخلق في حد ذاته عمل يختص به الله دون سائر الموجودات.. لذلك كان الوحي معجزا معنى و مبنى
.. ولقد جاء الوحي الإلاهي منذ بداية نزوله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مبشرا بقراءة جديدة للكون والإنسان والحياة والربوبية الحقة الألوهية الصحيحة ومقدما مفاهيم مغايرة لما تعارف عليه البشر واصطلحوا عليه واستنتجوه من خلال تجاربهم الحياتية المحدودة زمانا ومكانا..... إن القراءة الجديدة التي بشر بها الإسلام تصطبغ بصبغة الله الذي أحسن كل شيء خلقه :﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فهي قراءة تبتدئ باسم الله وتنتهي باسم الله وهدفها الأساس فهم كلمات الله البينات لتجسيمها في الواقع المعيش للإنسان والسير على هداها في جميع مناحي الحياة لان كل سلوك المؤمن هي عبادة لله رب العالمين ما دام هذا السلوك منضبط بتوحيد الله و بأوامر الله ونواهيه، وغايته ابتغاء وجه الله والإخلاص لدينه والفوز برضاه في الدنيا والآخرة...:﴿ و ما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى و لسوف يرضى﴾ (سورة الليل الآيات:19 و20 و21 )... لقد اخطر الله نبيه عليه السلام منذ بداية إنزال الوحي عليه بأنه عز وجل قد: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ حتى لا يخطرن ببال إنسان مهما أوتي من علم انه يجوز له أن يفتي بغير ما انزل الله ولو كان نبيا :﴿ قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادري ما يفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين﴾ (سورة الاحقاف الآية). ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا﴾ (سورة الإسراء الآيات 73 و74 75. (
إن علم الله كامل و مطلق و يتجاوز كل قدرات الإنسان الذهنية.. فالله قد أحاط بكل شيء علما‘ أما معارف الإنسان فهي نسبية ومحدودة وهي مجرد استنتاجات وتخمينات قد تخطئ وقد تصيب و تتغير وتتناقض و تختلف، فالإنسان عاجز بقدراته الذهنية ووسائله المحدودة زمانا ومكانا أن يعرف السلوك القويم للإنسان في مختلف مجالات الحياة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية و غيرها :﴿ و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم و الله يعلم و انتم لا تعلمون﴾( سورة البقرة الآية 216)... وإنما هو قادر فقط بما أوتيه من إمكانيات ذهنية وتجريبية وتاريخية.. وقدرة على الإستفادة من حياة الكائنات والعوالم الأخرى أن يستنبط الحلول الملائمة لتطوير معيشته وابتكار أنجع السبل والوسائل لتيسير حياته.. كابتكار وسائل فلاحية متطورة والإرتقاء بوسائل النقل البري والبحري والجوي وتيسير وسائل التعلم والمعرفة وصناعة آلات حربية ووسائل عسكرية اقدر على الفتك بالإنسان والتدمير وإهلاك الحرث والنسل...وقد سمى الله عزّ وجلّ كلّ ذلك "العلم بظاهر الحياة الدنيا": ﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا﴾ (سورة الروم الآية 7). فاكتشاف القوانين الفيزيائية والكيميائية والجيولوجية و الرياضية.. وغيرها وتطويع كل ذلك لتيسير معيشة الإنسان وجلب الرفاهية له أمر متيسر لجميع البشر إذا ما تعلقت همتهم بذلك، أما السلوك الإنساني الرشيد الذي يرضي الله عز وجل ويضمن الحياة الطيبة والهانئة والمطمئنة للإنسان... فأمر متروك لخالق الكون والإنسان والحياة وحده، العليم بأسرار مخلوقاته، المطلع على كل خفاياها الظاهرة والباطنة... إن قراءة متبصرة لآيات القرآن العظيم .. لا تلفها الأهواء و التأويلات المغرضة.. تكشف لنا عن كل القوانين والسنن التي تتحكم في جميع العوالم التي خلقها الله و الخاضعة طوعا أو كرها لمشيئته عز وجل لا تحيد عنها منذ الأزل.. كما تحتوي هذه الآيات و خاصة الآيات المدنية منها على كل سنن و قوانين امة الإسلام الأبدية في الأسرة و المجتمع .. و التي قد سار على هديها الصالحون من عباد الله منذ أقدم العصور‘ و ملخصها:﴿ اعبدوا الله مالكم من الاه غيره﴾ فتوحيد الله وخضوع الإنسان السوي المؤمن لشرع الله في الأسرة والمجتمع و كل علاقات الإنسان بنفسه و بربه و بأخيه الإنسان و بالطبيعة واستشعار الله و خشيته سرا و جهرا .. كانت و لا تزال جوهر كل الرسالات السماوية.. و لذلك جعل الله الأمة المستمسكة بهذه القوانين الأزلية ..امة الشهادة على الناس أجمعين:﴿ و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا.. ﴾ (سورة البقرة الآية
143).إن تشبث امة الإسلام بقوانين الله و سننه الأزلية يخضع في التطبيق و التجسيد للنسبية التي يخضع لها سائر عمل بني ادم الذين يحيون في إطار زماني و مكاني محدودين .. فما ارتاه الرسول الكريم و صحابته استجابة لأوامر الله و نواهيه في المجال السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و في الحرب وفي السلم و تنزيل شرع الله في الحياة المدنية و تشكيل مختلف الأجهزة التنفيذية في المجال الأمني و العسكري و الاجتماعي و السياسي و غيره- أي في ميدان المعاملات و ليس في ميدان العبادات- .. قد يختلف اختلافا كليا عن ذلك الذي يرتئيه المسلمون في العصر الحديث لبعث دولة الإسلام /دولة التوحيد.. القادرة لم شعث المسلمين و توحيدهم في كيان قوي.. نصرة لدين الله و للمسلمين في مشارق الأرض و مغاربها.. إن تغير العصر و تطور نوعية الحياة فيه و تقدم منتجات الحضارة الإنسانية.. لا يعني مطلقا تغيير المسلمين ﴿ لصراط الله المستقيم ﴾ و أحكامه و سننه الأزلية المفصلة في الذكر الحكيم.. بل يعني فقط الأخذ بأسباب الحداثة المادية و التقنية في الخضوع لكل قوانين الله و أحكامه في القرآن و الإجتهاد في تنفيذ الأحكام الشرعية بالأسلوب الملائم لحضارتنا في العصر الحديث قدر المستطاع .. كما لا بد من استحداث الوسائل والآليات المناسبة و الأجهزة التنفيذية الملائمة و الكفيلة بتوزيع ثروات ارض الإسلام بأقصى درجات العدالة الاجتماعية و الأخوة الإسلامية و تقوى الله التي تجمع كل المسلمين برباط الإسلام حكاما محكومين ..!

2-
الألوهية والربوبية
:
لا أحد من الخلق ينكر أن الله عز وجل هو خالق كل شيء في الوجود وانه تعالى قد أحسن كل شيء خلقه، يقول الله عز وجل:﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ﴾. لكن الإشكالية الكبرى التي تنازع فيها البشر ولا يزالون يختلفون فيها ويقتتلون من أجلها ويتصارعون هي: ربوبيّة الله سبحانه وتعالى، والرّبوبية تعني في أبسط مفاهيمها خضوع العبد المؤمن بألوهية الله إلى كل أوامر الله ونواهيه والعمل بمقتضى آيات الله البينات، لذلك تساءل الله سؤالا استنكاريا:﴿أتقتلون رجلا يقول ربي الله ؟!﴾. والذي يقول: ﴿ربي الله﴾ في المفهوم الإسلامي هو"المؤمن الحق "الذي يغنم الأمن و الاستقرار في حياته الدنيا و يستحق الفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، لذلك يتكرر في القرآن اقتران الإيمان بالله ب"العمل الصالح" أي العمل الذي يستضيء بنور الله
.. وإلا أصبح إيمان المرء عدميا أي لا قيمة له، فالعمل الذي لا يقترن في ذهن صاحبه بربوبية الله أي أن يكون القصد منه التقرب إلى الله والسعي لمرضاته و الخوف من عقابه في الدنيا و الآخرة.. هو عمل كالهباء المنثور، يقول الله عز وجل: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ ويقول أيضا: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ﴾(سورة النور الآية 39).


الفن الإسلامي وشروط الإبداع

يقصد بالفن: "التعبير عن الحال بمختلف الأساليب والأدوات من أدب إلى رسم إلى شعر.. إلى غير ذلك من أساليب التعبير، والفنان إنسان يعبر عن الإحساس الداخلي الذي يحس وينفعل ويتأثر به، فيعبر عن ذلك بصورة من صور الفن التي يجيدها، والفنان الحق هو الذي يختار من الأفكار والأحاسيس التي يجد فيها مظهرا لجمال ظاهر أو خفي، أي يختار ما يوجد التأثر والانفعال، وتكون الألفاظ والتراكيب التي تؤدي هذه الأفكار والأحاسيس على وجه يثير القراء ويثير السامعين، فيهز مشاعرهم، ويبعث فيهم ما يقتضيه هذا الانفعال من غبطة ورضا، أو سخط وغضب
.
كما أن الفنان الحقيقي هو الذي يمثل بفنه مثله العليا ومفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة..!؟ وينظر دائما إلى عالمه بالمقارنة مع مثله وقيمه ومبادئه، وكذلك الأديب الحق، والشاعر المقتدر هو الذي يبلغ أهدافه ولا يضيق ذرعا بقيود اللغة السليمة والتراكيب الجميلة المعبرة عن أن تصير وعاء يستوعب أفكاره ومشاعره التي يحسها داخل نفسه، فيساهم بقسطه من اجل رفع الحياة البشرية وترقيتها، ويسعى إلى تحريك النفس لتنفعل بالحياة في أعماقها وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء والأحياء
.
يقول الجرجاني: « إن من كمال الجمال البلاغي أن تكون مادته الخير والفضيلة ». أجل، فليس الأدب سوى رسالة سامية تنير سبيل الحياة الطيبة التي بشر الله بها عباده المؤمنين بروبيته، وتعرف الناس كيف يهتدون إلى منابع السعادة والمعرفة فيها.. وهل الأديب سوى مبدع يحمل بيده مشعل الحب والحرية المسئولة والتسامح، ويبحث بكل ما في ضميره من شوق وشغف وما في نفسه من نشاط وإخلاص عن مصدر السعادة والمعرفة في الحياة ليهدي إليهما نفوس البشر الحائرة، ويزيل عن وجه الحياة قشور الكآبة والجفاف، ويكلله بنور الغبطة والانتعاش ؟! نقول هذا القول ونحن ننظر بعين الحسرة والألم لما آل إليه الأدب الآن في البلاد الإسلامية، إن قصارى جهود الكثيرين من «الأدباء والشعراء» التحدث عن التجارب الخاصة والمفاهيم المنحرفة عن هداية الله، واغلبها يدخل في نطاق المرأة، كما أصبح الأدب يعطي صورة منقبضة متشائمة للحياة طافحة باليأس والألم والقسوة، لأنه أدب صادر عن نفس حائرة مضطربة قد اهتزت أمامها السبل، فلا ترى اتساقا في الكون، وإنما عبثا، ولا تنتظر أملا، بل يلفها التشاؤم، إنها إفرازات العبث والعدمية والتّنكر لروبية الله ووحدانيته و يأس من روح الله!؟... وكم نحن بحاجة إلى أدب متفائل يحمل الحب والأمل والدعوة إلى العمل بمقتضى التنزيل الحكيم
.
لقد مثل الفن بأشكاله المختلفة عبر الأحقاب التاريخية المختلفة مرآة الأمم ونبضات قلبها وعصارة فكرها وحقيقة وجدانها ومختلف تصوراتها عن الكون والإنسان والحياة، وهذا يجعلنا بحاجة أكيدة إلى تحديد إطار واضح، ومفهوم محدد للفن الإسلامي الذي ننشده، ليكون فنا متميزا واضحا، يعبر عن التصور الإسلامي والحضاري لامتنا الإسلامية...!؟ حتى نستطيع تقديم هذا المفهوم للناس إزاء المفاهيم الأخرى للفن الهائم على وجهه والسائر في ظلمات بعضها فوق بعض والمتخبط على وجهه في متاهات الحياة ودروبها المدلهمة، فلا يكفي أبدا أن ننادي بفن إسلامي بديل وننشد الاهتمام به، دون تحديد لمفهومه ومعالمه وتصوراته
.
إن الفن الذي ننشده هو كل فن جميل مؤثر ازدهر في ظل قيمنا الإسلامية وثوابتنا الحضارية المستنبطة من القرآن وارتوى بروائها وتغذى من نبعها واعتمد معاييرها، وأشرق على الدنيا داعيا إلى قيم المحبة في الله والخير والجمال والحق والعدل بين الناس، وانتصر للقضايا العادلة وحارب الباطل بمختلف تشكلاته.. بعزة وثقة تامة وإقدام وبأسلوب واضح ولغة عربية فصيحة يفهمها كل الناس. فالفن الذي ننشده هو نقيض الفن الهائم والضائع الذي يتبنى الزيف منهجا للحياة مزركشا بالأكاذيب والمساحيق المضللة عن الحق والعدل، إنا نطمح إلى فن إسلامي نظيف يحارب الغموض والعبث، ويشجب الحيرة والاضطراب والتناقض ونشر الفساد في الأرض، ونندد بكل فن يعمل على إيجاد الصراعات والإحن بين الناس، أو يكرس واقع التخلف والتوحش وحياة الأنعام، أو يشكك في شيء أصيل وجميل في ألذات البشرية و فطرتها التي فطرها الله عليها. إن المبدع الفرقاني هو إنسان خير بطبعه، ولديه مجموعة من الثوابت الإلاهية والقيم السامية تدفعه لان يعمل ويبحث في موضوع ما، ومن أهم القيم التي يمتلكها المبدع المسلم هي الإصلاح والبحث عن الأصالة والصدق والأمانة، وكل الموضوعات التي يعالجها تصطبغ بالقيم الإنسانية الرفيعة التي يؤمن بها ويجسدها في حياته... على عكس الفنان الهائم الضال عن هداية الله الذي يقول ما لا يفعل ويظهر غير ما يبطن ويعيش حياة ضنكا بسبب إعراضه عن الحق.! وهكذا يصبح الفن وسيلة للبناء والتشييد، والسمو والتقدم، وحافزا للرّوح، ومشكلا للفكر والوجدان والمفاهيم المتطابقة مع الحق والعدل، وباعثا للحيوية والقوة الايجابية في حركة الحياة الشاملة، وممهدا لطريق السعادة والنقاء والحياة الطيبة المطمئنة، وحارسا لهوية أمّتنا الإسلامية
...!
إن الفن الإسلامي فسيح الرقعة، واسع الأرجاء، لان كل فن سار في فلك القيم الإنسانية النبيلة التي لا تمجها النفس السوية صراحة أو ضمنا كان فنا إسلاميا، وكل فن عالج قضايا وأفكارا بتصور إنساني راق واصطبغ بالمفاهيم الإسلامية الواردة في كتاب الله فهو الفن الإسلامي الذي ننشده لبناء حضارة إسلامية جديدة ومتقدمة عن أية حضارة إنسانية لا ترتكز على المفاهيم القرآنية في بناء المجتمع. وكل عمل يبث الخير في نفوس شبابنا وأطفالنا والأسرة بشكل عام هو عمل إبداعي وحضاري، وأي عمل فني ينفع الناس ليس فيه فساد ولا إفساد متعمد، وإنما فيه خير نبثه في نفوس شبابنا وأطفالنا وعقولهم ليساعد على خلق جيل يحمل الخير في نفسه، فهو عمل نباركه، والفن إن لم يكن
: خادما للمجتمع، مدافعا عن ثقافة الأمة ومفاهيمها السوية وأسلوب عيشها المميز في الحياة ومدافعا عن تطلعات الناس وطموحاتهم وحقهم في الحياة الكريمة وفق المنهج الإسلامي الذي ارتضوه لحياتهم، وتبصيرهم بالواقع، والصدق مع النفس،والتجاوب العاطفي الوجداني مع المشكلات الحياتية النابعة من ممارسات الواقع، ساعيا إلى تغيير البنية المادية والنفسية لأفراد الأمة، فاعلا بنجاعة في تطور المجتمع ومساهما في أداء الناس لمسؤولياتهم، رافضا لكل أنواع القهر والإستبداد والإستغلال، قائدا للأمة إلى أهدافها الرئيسية في الحياة.. فليس بفن.
إن أولى مهمات الفنان المؤمن هو مواجهة أوضاع التخلف والظلم والإستبداد والتسلط والطغيان و تعريتها أمام الوعي الجمعي و الدعوة إلى تغييرها إلى الأفضل والأمثل والتخلص من قيود المرض والجهل والتمييز الطبقي والطائفي، والتفتح على القيم الإنسانية النبيلة في العالم والإرتفاع بمستوى المجتمع والأمة لتتناسب أوضاعها مع مبادئها الحضارية والإسلامية التي تحفزها لبلوغ ما وراء العرش تطورا وتقدما وازدهارا، والنفاذ من أقطار السماوات والأرض
...!
إن هذه المهمات التي ندعو لأن يبشر بها الفنان الفرقاني المسلم في أدبه ومسرحه ورسومه ومختلف الأشكال الفنية التي يحسنها، هي التي ستجعله فنا متميزا جديرا بنيل احترام الناس بوصفه يتبنى قضاياهم ويعالج مشاكلهم ويساعدهم على تبين طريق الحق والسعادة والفلاح
.
لقد قام الفن الإسلامي منذ بدايات الدعوة الإسلامية بمهمات جليلة في التمكين لقيم الإسلام ومبادئه السمحة و معاييره الإنسانية، وظهرت آثار التصور الإسلامي في المدينة المنورة، ونجحت التجربة الإسلامية نجاحا باهرا حين قدمت لنا وللعالم كله روائع الشعر الإسلامي القديم، ولقد عبر الشعر – ديوان العرب الأول – عن أدق خواطر الإنسان المسلم ومشاعره، وأزماته وهمومه، وحيرته وقلقه، وسخطه وتمرده،وموقفه من الحب والغربة والموت، وتأملاته في الكون والطبيعة، وتعاطفه مع الحيوان، ورثائه للطيور الصادحة، وحنينه إلى الأوطان، وتمجيده للقيم النبيلة، وتصويره للبطولات الملحمية
...‘ إلى غير ذلك من التجارب الشعرية الرائعة. كما استخدم الأدب كوسيلة في تهذيب الأخلاق وتربية الضمير وهداية العقول إلى الحق والخير وفي هذا يقول حسان بن ثابت:

إذا الشعر لم ينشر مكارم قومه * فلا حمدت منه المكارم مشهدا
ويقول زهير بن أبي سلمى
:
وإن أحسن شيء أنت قائله * بيت يقال إ ذا أنشدته صدقا

فالحضارة الإسلامية لم تفصل في يوم من الأيام بين النواحي الجمالية في الفن والمضامين الراقية التي ترتفع بفكر الناس وأذواقهم وتجلب لهم الفائدة و المغنم في حياتهم وتخضع لهم الدنيا ذليلة لأنهم عرفوا حقيقتها من خلال الحكم والأمثال والقصص التي تبثها مختلف الفنون في نفوسهم، يقول عبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة ج 2 ص 133): « المقصد الأسنى للشعر هو تنمية الذّوق السّليم بحكمة يقبلها العقل وأدب يحسب به الفضل وموعظة تروض جماع الهوى وتبعث على التقوى وتبين موضع القبح والحسن في الأفعال وتفصل بين المحمود والمذموم من الخصال
».
ويشدو أبو تمام
:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى
بغاة العلا من أين تؤتى المكارم
واستمر هذا الفهم الصحيح لمهمات الفن الإسلامي والأدب المصطبغ بالمفاهيم القرآنية.. وأنتج تيارا فنيا مباركا ظل متدفقا في مختلف العصور الإسلامية، حتى أطلت علينا رؤوس الفتن في حياة هذه الأمة بنزعاتها العنصرية، وشعوبيتها وقومياتها الحديثة، وكان السبب الرئيس والمباشر في ذلك فتور المفاهيم الإسلامية و الرابطة الدينية الصحيحة التي كان لها الفضل في عزة المسلمين وقوتهم وازدهارهم. ولا عجب بعد ذلك أن أصبحنا نرى في العصر الحديث أفرادا يحملون القلم ويخطون الكتاب ويدبجون المقال والقصة والقصيدة...‘ بيد أنهم منفصلين عن كيان الأمة الإسلامية وضميرها و متصادمين مع معاييرها القرآنية
!!
لقد شهد النصف الثاني من القرن الماضي تحركا إنسانيا ملحا في سبيل البحث عن ألذات، وتحديد الهوية البشرية الحقة، ونفض الغبار المتراكم على الأذهان والقلوب بعد أن شعر الفرد بالتمزق والضياع، واختنق العالم كله فكريا وروحيا بمنطق العصر الآلي الصناعي... بل وأصبح الناس يوصفون بالرجال الجوف، ويشبهون بتماثيل مليئة بالقش تصيح قائلة
:

نحن الرّجال الجوف *** حشينا بالقش(1
)

وفي ظلّ هذا الواقع الجديد الذي صار إليه الإنسان بسبب بعده عن هداية السماء يبقى: (العامل الإلاهي وحده، هو الذي يستطيع أن ينتصر على العزلة، وأن يجعل الإنسان مدركا للشعور بالألفة والصلة ومتوخيا غاية جديرة بوجوده (2)، لذلك ينبغي أن يكون التصور الإسلامي هو الذخيرة التي يستمد منها الفن الفرقاني موضوعاته ومجالاته، ثم تعمل البراعة الفنية عملها، فتخرج من تلك المفاهيم في شتى مجالاتها فنونا جميلة رائعة، بمقدار ما تطيق الفهم والتلقي والإكتشاف، وبمقدار ما تتفتح بصيرتها لارتباطات الكون والحياة والوجود، فالكون خلقه الله من عدم، وكل شيء فيه موجه بقدرته وعنايته سبحانه وتعالى، وهو في حركيته يخضع لقانون واحد ويتجسد فيه التكامل والتعاضد وتحدث فيه جملة من التطورات التي لا تصطدم مع المشيئة الإلاهية، وقد كرم الله الإنسان وجعله خليفة في الأرض ليقيم العدل اعتمادا على الميزان – ميزان القرآن
وهو مسئول على عمارة الأرض وإنشاء الحضارة، والبشر كلهم من ادم وادم أصل خلقته من تراب وأحب البشر إلى الله انفعهم للناس إذا ما قصدوا بأعمالهم التقرب من الله، وما الشريعة إلا وسيلة ليعرف الناس دورهم في الحياة ولكي لا يتيهوا عن طريق الحق والرشاد. فالفن الفرقاني هو الذي سيبشر بالرؤية الشاملة للإسلام التي تملا فراغ النفس والحياة، وتستوعب الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا يحقق سوى التسيب والعبث.
إن الفنان الفرقاني مطالب بالبحث عن الحقائق الوجودية وأن يعيها جيدا، ويحاول الغوص وراء أسرارها ورموزها، ويبحث عن النماذج الإنسانية والتحركات الجماعية التي تؤكدها وتبلورها، حتى ينطلق في مسيرته نحو الخير والكمال والجمال. فهو اقدر الناس على نفع المجتمع الإنساني والسير به في الطريق الصحيحة لتحقيق المطامح الإنسانية المشروعة في هذه الحياة، لان منهاج حياته منضبط بالصدق والتعاون مع الآخرين، وبواجبات كثيرة ومتنوعة نحو نفسه ونحو الآخرين، وكذلك نحو المجتمع الذي يعيش فيه، ويحيى على أمل انه «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» وهو قوي أمام إغراءات الحياة المختلفة، فلا يقع في الحرام، أو ينزلق إلى الرذيلة، ولا يحني رأسه أمام الفساد والظلم وشراء الذمم، رافعا راية العدل والقوة والمحبة والوئام لإخراج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام
.
انه من الخطورة بمكان أن يقتنع بعض المبدعين في ديارنا الإسلامية بتفوق الثقافة الغربية على ثقافتنا فيلجئون تبعا لهذه القناعة إلى اتخاذ الغرب قدوة ومثالا، ويستبطنون مدارسه الإبداعية المختلفة، ومفاهيمه عن الحياة يقيسون بها إبداعاتنا ونتاجاتنا الفنية..، إن مثل هذا العمل يسقطهم أولا وأخرا في التقليد الذي يتنافى تماما مع العملية الإبداعية، لان التقليد يمثل العدو الأول للإبداع، كما أن استحضار مفاهيم الغرب في كل خطواتنا واعتباره سباقا في كل المجالات الحياتية يضعف من همتنا، ويميت تحفزنا للإبداع واختراق الآفاق، لان المرء إذا ما أدرك أن هناك من سبقه إلى درب من دروب الحياة واعتقد بعدم إمكانية الإتيان بشيء جديد، يفتر عزمه، ويتلاشى حزمه في تقديم التضحيات الكافية لبلوغ ذلك الدرب المقصود، على عكس ما إذا كان سباقا لاكتشاف جواهر مطمورة، ولآلئ مكنوزة، وتحف لم تر العين مثلها من قبل، فان نفسه تكون في توق، وقلبه في شوق، لتقديم كل غال ونفيس ليفوز بقصب السبق في الاكتشاف الجديد وبلوغ الهدف المراد ونيل كل عجيب متسام، ولقد أدرك أجدادنا من المسلمين هذا السر في الإبداع فصنعوا المعجزات فكرا واكتشافات، وبهروا نفوسا كرعت من ينابيعهم الثرة وبحارهم العميقة المليئة بكل رائع وجميل ومؤثر عجيب، وانتقلت آدابهم إلى أوروبا عبر الدردنيل والأندلس وصقلية وغيرها...‘ وعلى ورثة هؤلاء الأفذاذ أن يواصلوا مسيرتهم في البناء والتشييد والإبداع.. ولقد جاء في مادة بدع ما يلي:« بدع، بدعا الشيء: اخترعه وصنعه لا على مثال، والبدع المحدث الجديد، والبدعة ما أحدث على غير مثال سابق»(3). والفن إبداع لأنه يبدع ما هو جديد، ويجعله يظهر للوجود فجأة، كان المرء يراه لأول وهلة، ولا بد من الإشارة إلى أن الفنان لا يقوم بخلق العمل الفني، لان الخلق هو عملية الإيجاد من العدم، وإطلاق صفة الخلق على عمل الفنان يعتبر تجاوزا لحقيقة العمل الذي يمارسه الفنان. فالله وحده خالق كل شيء في الوجود. إن أقصى ما يستطيعه الفنان هو: تركيب الصور والمفاهيم والمعاني التي خلقها الله، بشكل جميل ملفت للانتباه، ومؤثر، أي بشكل بديع يحسبه الناظر إليه انه يراه لأول مرة، فالرسام مثلا يختار بعض المشاهد الكونية التي خلقها الله ثم يقوم بتركيبها بصورة جميلة ملفتة للانتباه، وتحدث العجب والدهشة في نفس المشاهد، محاكيا في رسم هذه المشاهد حقيقة المشاهد الكونية، ومصبغا عليها المفاهيم التي توصل إليها خلال مسيرته الوجودية، إن المعاني والمفاهيم هي أيضا قد خلقها الله مع خلق الإنسان، ومهمة الإنسان اكتشافها والبحث عنها في المخلوقات الكونية أوفي الكتب السماوية الصحيحة التي تضمنت تلك المعاني والمفاهيم. إن أقصى ما يمكن إن يطمح إليه الفنان المبدع هو تحقيق السبق في اكتشاف المشاهد والصور والمعاني الراقية الجميلة والجليلة وتركيبها بصورة مؤثرة وممتعة لتقريبها من البشر حتى يتمتعوا بجمالية الصور والمعاني التي من شانها أن ترقى بأذواقهم وأفكارهم وتسمو بسلوكهم وأخلاقهم. وهذا الفهم لرسالة المبدع / الفنان المسلم يجعلنا نلح على ضرورة توفر المضمون الهادف في كل الأشكال الإبداعية وأن تحتوي نتاجات المبدع على القيم الإسلامية النبيلة والمبادئ السامية من اجل رفع الحياة البشرية وترقيتها إلى مستوى التكريم الإلاهي للإنسان. فالفنان إنسان واع بدوره في الوجود، يسعى بفنه إلى تحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء والأحياء، فقيمة الفن تظهر فيما يقدمه للحياة والناس من خير، وما يبشر به من قيم عليا ومثل سامية وما يدعو إليه من أخوة وتراحم وعدالة ومحبة بين الناس ليتعارفوا ويعيشوا في امن وسلام، ويدلهم على الطريق ويأخذ بأيديهم إلى العزة والفضيلة، إن الفن موهبة من الله يحدث به صاحبه ثورة فكرية تضرب الأوضاع الفاسدة، وتملا النفوس تذمرا وتطلعا دائما إلى الأفضل، فهو وسيلة للدفاع عن الحق والانتصار له وإذاعة الفضيلة ومحاربة الشر في كافة صوره ومقاومة الظلم وأصحابه ومن يمشون في ركابه
...!
فأمام الفن إذن حقول خصبة للإبداع والعطاء وخاصة في مجال القوة الذاتية التي تحفظ القيم السامية والمبادئ النبيلة في نفوس الشرفاء المؤمنين برسالتهم في الحياة جيلا بعد جيل، ولعل من أعظم الأشياء قيمة « الأمل»، حيث لا تموت الأماني، أو يتطرق اليأس إلى النفوس في أحلك الأوقات وأحرجها، ولا يقع الفنان المؤمن برسالته فريسة الخوف أو الخشية إذا ما قارن قوة أعداء أمته المادية بقوته، المهم أن يمضي قدما في مسيرته الخالدة مهما كانت التضحيات جسيمة « إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي...» وهذا يجعل مقاييس النصر أو الهزيمة، ومقاييس القوّة والضّعف تختلف وجهة نظر الفنان الفرقاني المسلم إزاءها عن وجهة نظر الآخرين باعتباره يستمد كل مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة من القرآن الكريم. وهكذا يصبح الفن المنشود هو الذي يقوي الذات وينميها ويكملها، فالفن يجب آن يكون إنسانيا يخاطب في الإنسان سموه، ويركز على جانب القدرات الايجابية فيه، والتي تنسجم مع مهمته فوق الأرض، والتي تحقق مبدأ الاستخلاف، ما دام الإنسان مستخلفا، انه إضاءات وجدانية، وإشراقات عقلية في الوقت نفسه تستهدف الإنسان كأعظم مشروع يتحقق فيه التصحيح و التغيير
.
إن المضامين الهادفة والراقية إذا لم توضع في قوالب جمالية مؤثرة تفقد جزءا من قيمتها ويصبح تأثيرها محدودا، لذلك يصبح من شروط إبداع الفن الفرقاني تهيئة اللقاء بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون الذي أبدعه الله كأحسن ما يكون.. والحق هو ذروة الجمال، من هنا فإنهما يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود، والفن بهذا المعنى هو التعبير الجميل عن حقائق هذا الوجود اعتمادا على مواهب ناضجة، وأسس فنية واضحة، مؤثرة، فالفنان المسلم يجب أن يكون وسيطا بين الوجود والتعبير ويقف في موضع الوفاق والتناغم الذي يحيل كل شيء إلى لحن جميل، وأن يبتعد قدر المستطاع عن عيوب الخطابة والتقريرية، وجمود الشكل، ونثرية العبارة، وبهوت الصورة، بشرط أن لا يطغى الإحساس بالجمال عن الفكرة الملتزمة بقضايا الوجود والحياة والمصطبغة بصبغة الإسلام وثوابته
.
فلا بد إذن من اتخاذ العدة الفنية التي تستطيع تقديم الفكر النظيف في صورة موحية مؤثرة، وأن يسعى الفنان إلى استغلال الجوانب الفنية والنفسية والتأثيرية في الفن لاجتذاب الفطر السليمة.. وإقناع العقول السوية، والتغلغل إلى أعماق الوجدان الحي، للخروج بالإنسان إلى نطاق الفعل المتبصر، والحركة الواعية، والتغيير الايجابي، وإيجاد مجتمع الخير والعدل والفضيلة مع الانتصار على سلبيات الفكر والسلوك
.
إن المزاوجة بين الجمال والحق أي المزاوجة بين الشكل والمضمون بصورة مبدعة تتطلب الاقتدار على الضبط، والبراعة في إحسان التحرك وإجادة التصرف في أضيق المساحات والمجالات، وأدق الأطر دون المساس بها، أو خدشها وتشويشها أو المروق منها. والإقتدار على الحركة داخل هذا الإطار الضيق المحدود هو المقياس أو المعيار الذي نفرق به بين الصادق والدعي، وبين الأصيل المتمكن والدخيل المتطفل. فالطفل الذي لم تنم مهاراته، تعطيه الصفحة الكاملة ليرسم فيها شجرة فيحتج بصغر المساحة التي لا تتسع لرسم شجرة، وتعطي عشر معشارها لفنان مقتدر، فيعطيك فيها عالما متكاملا يضج بالحياة، وينضح بالفتنة والجمال
...
والفنان المبدع يدرك جيدا أن الفن لا يقوم على تصوير الحياة كما هي، بل لا بد من تدخل الفنان الذي يقوم باختيار أهم العناصر وانتقائها من واقع الحياة ثم يعيد ترتيبها ويخلع عليها من ذاته المسلمة وخياله وتفسيره مم يجعل تلك العناصر عملا فنيا محكما، فيه يمتزج الواقع بالخيال بما لا يشوه ذلك الواقع أو يفقده واقعيته ولبابه، فالفن الفرقاني المنشود لا بد أن يكون مرتبطا بالحقيقة والواقع متميزا بأسلوبه ومضمونه وغايته ويقصد منه أولا وأخرا تحقيق الموعظة الحسنة والعبرة ودفع الناس للتفكير في حكمة الله وربوبيته، وان يبتعد قدر المستطاع عن الغموض والإبهام، ويحرص على تحقيق الإشباع العقلي والوجداني دون حيرة أو إبهام، حتى يمهد ذلك السبيل لرحلة جديدة من التفكير والتذكر واتخاذ موقف واضح من الوجود
.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire